الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢١١ - ١٥١٦- القول في البعوض و نتائج عضها
المودة و النصيحة، و لو لا ما أعرف من تقزّزك و تنطّسك[١]؛ و أنك متى انتبهت على ما أنا ملقيه إليك لم آمن أن تستغشّني[٢]، و إن لم تظهره لي. إن هذا اليمانيّ إنما يعتم أبدا، و يمدّ طرّة[٣]العمامة حتى يغطّي بها حاجبيه؛ لأن به داء لو علمت به لم تؤاكله! قال: فقال أبي: فرماني و اللّه بمعنى كاد ينقض عليّ جميع ما بيدي، و قلت:
و اللّه لئن أكلت معه و به الذي به إنّ هذا لهو البلاء، و لئن منعت الجميع مؤاكلتي لأوحشنهم جميعا بعد المباسطة و المباثّة[٤]و الملابسة و المؤاكلة، و لئن خصصته بالمنع أو أقعدته على غير مائدتي. ليغضبنّ، و لئن غضب ليغضبنّ معه كل قحطاني بالشام. فبت بليلة طويلة. فلما كان الغد و جلست، و دخلوا للسلام، جرى شيء من ذكر السموم و غرائب أعمالها، فأقبل عليّ ذلك الشيخ فقال: عندي من هذا بالمعاينة ما ليس عند أحد. خرجت مع ابن اخي هذا، و مع ابن عمّي هذا، و مع ابني هذا، أريد قريتي الفلانية، فإذا بقرب الجادّة بعير قد نهشته أفعى. و إذا هو وافر اللحم، و كل شيء حواليه من الطّير و السباع ميت، فقمنا منه على قاب أرماح نتعجب، و إذا عليه بعوض كثيرة.
فبينا أنا أقول لأصحابي: يا هؤلاء، إنكم لترون العجب: أول ذلك أن بعيرا مثل هذا يتفسّخ من عضة شيء لعله أن لا يكون في جسم عرق من عروقه، أو عصبة من عصبه، فما هذا الذي مجّه فيه، و قذفه إليه؟ثم لم يرض بأن قتله حتى قتل كلّ طائر ذاق منه، و كلّ سبع عضّ عليه. و أعجب من هذا قتله لأكابر السّباع و الطير، و تركه قتل البعوضة، مع ضعفها و مهانتها! فبينا نحن كذلك إذ هبّت ريح من تلقاء الجيفة، فطيّرت البعوض إلى شقّنا، و تسقط بعوضة على جبهتي، فما هو إلا أن عضتني إذ اسمأدّ[٥]وجهي تورّم رأسي، فكنت لا أضرب بيدي إلى شيء أحكّه من رأسي و حاجبي، إلا انتثر في يدي.
فحملت إلى منزلي في محمل و عولجت بأنواع العلاج، فبرأت بعد دهر طويل. على أنه أبقى عليّ من الشّين أنه تركني أقرع الرأس. أمرط الحاجبين.
[١]التقزز: التباعد من الدنس. التنطس: التقذر و التقزز.
[٢]استغشه: ظن به الغش.
[٣]طرة الشيء: طرفه.
[٤]المباثة: من البث؛ و هو إظهار الحديث.
[٥]اسمأد: ورم و انتفخ.