الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٨٨ - ١٦٣٣- عجز الإنسان و صغر قدره
على صغر النحلة و ضعف أيدها[١]، ثمّ ارم بعقلك إلى قول اللّه: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً [٢]، فإنك تجدها أكبر من الطّود، و أوسع من الفضاء. ثم انظر إلى قوله: حَتََّى إِذََا أَتَوْا عَلىََ وََادِ اَلنَّمْلِ [٣]. فما ترى في مقدار النملة في عقل الغبيّ، و غير الذّكيّ؟!فانظر كيف أضاف الوادي إليها، و خبر عن حذرها و نصحها لأصحابها، و خوفها ممن قد مكّن، فإنك تجدها عظيمة القدر، رفيعة الذكر، قد عظمها في عقلك، بعد أن صغرها في عينك.
١٦٣٣-[عجز الإنسان و صغر قدره]
و خبّرني عن اللّه تعالى، أمّا كان قادرا أن يعذّب الكنعانيين، و الجبابرة، و الفراعنة، و أبناء العمالقة: من نسل عاد و ثمود، و أهل العتوّ و العنود-بالشياطين ثم بالمردة، ثم بالعفاريت، ثم بالملائكة الذين وكّلهم اللّه تعالى بسوق السحاب، و بالمدّ و الجزر، و بقبض أرواح الخلق. و بقلب الأرضين، و بالماء و الريح، و بالكواكب و النيران، و بالأسد و النمور و الببور[٤]و بالفيلة و الإبل و الجواميس، و بالأفاعي و الثعابين و بالعقارب و الجرارات، و بالعقبان و النسور، و بالتماسيح، و باللّخم[٥]و الدّلفين.
فلم عذّبهم بالجراد و القمّل و الضفادع؟!و هل يتلقّى عقلك قبل التفكير إلا أنه أراد أن يعرّفهم عجزهم، و يذكّرهم صغر أقدارهم، و يدلّهم على ذلك بأذلّ خلقه، و يعرفهم أن له في كل شيء جندا، و أن القويّ من قوّاه و أعانه، و الضعيف من ضعّفه، و المنصور من نصره، و المخذول من خلاّه و خذله، و أنه متى شاء أن يقتل بالعسل الماذي و الماء الزّلال كما يقتل بالسمّ الساري، و السيف الماضي قتل؟ و لم كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم إذا رأى على جسده البثرة ابتهل في الدعاء و قال: «إن اللّه تعالى إذا أراد أن يعظم صغيرا عظمه» ؟! و لم قال لنا: فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلطُّوفََانَ وَ اَلْجَرََادَ وَ اَلْقُمَّلَ وَ اَلضَّفََادِعَ وَ اَلدَّمَ آيََاتٍ مُفَصَّلاََتٍ [٦]؟!فافهم عنه تعالى ذكره، و تقدست أسماؤه قوله: «آيات» ثم قال:
[١]الأيد: القوة.
[٢]٦٩/النحل: ١٦.
[٣]٨٨/النمل: ٢٧.
[٤]الببر: ضرب من السباع، قيل إنه متولد من الزبرقان و اللبوة.
[٥]اللخم: سمك بحري يقال له الكوسج. حياة الحيوان ٢/٣٠٥.
[٦]١٣٣/الأعراف: ٧.