الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٨ - ١٢٩٦- ردّ آخر على المجوس
و الماء ليس يجمد للبرد فقط، فيكون متى رأينا بلدة ثلجها أكثر، حكمنا أن نصيبها من البرد أوفر.
و قد تكون الليلة باردة جدا، و تكون صنّبرة[١]فلا يجمد الماء، و يجمد فيما هو أقلّ منها بردا. و قد يختلف جمود الماء في الليلة ذات الريح، على خلاف ما يقدّرون و يظنون.
و قد خبرني من لا أرتاب بخبره، أنهم كانوا في موضع من الجبل، يستغشون[٢]به بلبس المبطّنات[٣]، و متى صبوا ماء في إناء زجاج، و وضعوه تحت السماء، جمد من ساعته.
فليس جمود الماء بالبرد فقط، و لا بد من شروط و مقادير، و اختلاف جواهر، و مقابلات أحوال، كسرعة البرد في بعض الأدهان، و إبطائه عن بعض و كاختلاف عمله في الماء المغلى، و في الماء المتروك على حاله و كاختلاف عمله في الماء و النبيذ، و كما يعتري البول من الخثورة و الجمود، على قدر طبائع الطعام و القلة.
و الزّيت خاصة يصيبه المقدار القليل من النار، فيستحيل من الحرارة إلى مقدار لا يستحيل إليه ما هو أحرّ.
١٢٩٦-[ردّ آخر على المجوس]
و حجة أخرى على المجوس. و ذلك أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم، لو كان قال: لم أبعث إلا إلى أهل مكة-لكان له متعلق من جهة هذه المعارضة. فأما و أصل نبوّته، و الذي عليه مخرج أمره و ابتداء مبعثه إلى ساعة وفاته، أنه المبعوث إلى الأحمر و الأسود، و إلى الناس كافة[٤]، و قد قال اللّه تعالى:
[١]الصنبرة: الشديدة البرد.
[٢]يستغشون: يتغطون.
[٣]المبطنات: ثياب مبطنة بالفراء.
[٤]انظر مسند أحمد ١/٢٥٠، ٣٠١، ٤٠٣. و صحيح البخاري في كتاب التيمم، الحديث ٣٢٨، و كتاب المساجد، الحديث ٤٢٧، و مسلم في المساجد و مواضع الصلاة، الحديث ٥٣١، و الدارمي في «السير» ، و النسائي في «الطهارة» . و في النهاية ١/٤٣٧ «بعثت إلى الأحمر و الأسود، أي العرب و العجم؛ لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة و البياض، و على ألوان العرب الأدمة و السمرة.
و قيل: أراد الجن و الإنس. و قيل: أراد بالأحمر: الأبيض مطلقا.