الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٦٤ - ١٣١٧- قول رئيس المتكلّمين في النفس
و يدلّ على ذلك شأن السكّابة[١]؛ فإنّك تضع رأس السكّابة الذي يلي الماء في الماء، ثم تمصه من الطرف الآخر، فلو كان الهواء المحصور في تلك الأنبوبة إنما هو مجاور لوجه الماء، و لم يكن متصلا بما لابس جرم الماء من الهواء، ثم مصصته بأضعاف ذلك الجذب إلى ما لا يتناهى لما ارتفع إليك من الماء شيء رأسا.
و كان يقول في السّبيكة التي تطيل عليها الإيقاد، كيف لا تتلوّى، فما هو إلا أن ينفخ عليها بالكير[٢]حتى تدخل النيران في تلك المداخل، و تعاونها الأجزاء التي فيها من الهواء.
و بمثل ذلك قام الماء في جوف كوز المسقاة المنكس. و لعلمهم بصنيع الهواء إذا احتصر و إذا حصر، جعلوا سمك[٣]الصّينية مثل طولها. أعني المركب الصّينيّ.
و كان يخبر عن صنيع الهواء بأعاجيب.
و كان يزعم[٤]أنّ الرّجل إذا ضربت عنقه سقط على وجهه، فإذا انتفخ انتفخ غرموله و قام و عظم. فقلبه عند ذلك على القفا. فإذا جاءت الضّبع لتأكله فرأته على تلك الحال، و رأت غرموله على تلك الهيئة، استدخلته و قضت وطرها من تلك الجهة، ثم أكلت الرّجل، بعد أن يقوم ذلك عندها أكثر من سفاد الذّيخ.
و الذّيخ: ذكر الضّباع العرفاء[٥].
و ذكر بعض الأعراب أنه عاينها عند ذلك، و عند سفاد الضّبع لها، فوجد لها عند تلك الحال حركة و صياحا، لم يجده عندها في وقت سفاد الذّيخ لها.
و لذلك قال أبو إسحاق لإسماعيل بن غزوان: «أشهد باللّه إنك لضبع» . لأن إسماعيل شدّ جارية له على سلّم و حلف ليضربنّها مائة سوط دون الإزار-ليلتزق جلد السّوط بجلدها، فيكون أوجع لها-فلما كشف عنها رطبة بضّة خدلة[٦]، وقع عليها، فلما قضى حاجته منها و فرغ، ضربها مائة سوط. فعند ذلك قال أبو إسحاق ما قال.
[١]انظر الصفحة ٤٩، حيث سماها هناك «الشرابة» .
[٢]الكير: الزق الذي ينفخ فيه الحداد.
[٣]السّمك: الارتفاع.
[٤]هو اليقطري؛ كما سيأتي في ٦/٤٥٠.
[٥]العرفاء: الكثيرة شعر الرقبة.
[٦]الخدلة: الممتلئة الأعضاء لحما في رقة عظام.