الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٢١ - ١٥٣٠- ضروب العناكب
١٥٢٨-[قتل الذر للحية]
و هذا شبيه بما يروى و يخبر عن الذَّرّ، فإن الذَّرّ متى رأت بحيّة خدشا لم تقلع عنه حتى تقتله، و حتى تأكله.
١٥٢٩-[شدة ولوع النمل بالأراك]
و لقد أردت أن أغرس في داري أراكة، فقالوا لي: إن الأراكة إنما تنبت من حبّ الأراك، و في نباتها عسر، و ذلك أن حبّ الأراك يغرس في جوف طين، و في قواصر[١]، و يسقى الماء أياما. فإذا نبت الحبّ و ظهر نباته فوق الطين، وضعت القوصرة[١]كما هي في جوف الأرض، و لكنها إلى أن تصير في جوف الأرض، فإن الذرّ يطالبها مطالبة شديدة. و إن لم تحفظ منها بالليل و النهار أفسدتها.
فعمدت إلى منارات من صفر[٢]من هذه المسارج[٣]، و هي في غاية الملاسة و اللّين، فكنت أضع القوصرة على التّرس الذي فوق العمود الأملس، فأجد فيها الذرّ الكثير، فكنت أنقل المنارة من مكان إلى مكان، فما أفلح ذلك الحبّ.
١٥٣٠-[ضروب العناكب]
قال: و العناكب ضروب: فمنها هذا الذي يقال له الليث، و هو الذي يصيد الذبّان صيد الفهد، و قد ذكرنا في صدر هذا الكلام[٤]حذقه و رفقه، و تأتّيه و حيلته.
و منها أجناس طوال الأرجل، و الواحدة منها إذا مشت على جلد الإنسان تبثّر[٥]. و يقال إن العنكبوت الطويلة الأرجل، إنما اتخذت بيتا و أعدّت فيه المصايد و الحبائل، و الخيوط التي تلتفّ على ما يدخل بيتها من أصناف الذّبان و صغار الزنابير -لأنها حين علمت أنها لا بدّ لها من قوت، و عرفت ضعف قوائمها، و أنها تعجز عما يقوى عليه الليث، احتالت بتلك الحيل.
فالعنكبوت، و الفأر، و النحل، و الذّرّ، و النمل، من الأجناس التي تتقدم في إحكام شأن المعيشة.
[١]القوصرة: وعاء من قصب يرفع فيه التمر.
[٢]الصفر: النحاس.
[٣]المسرجة: التي فيها الفتيل.
[٤]انظر ص ٢١٩-٢٢٠.
[٥]تبثر: ظهرت فيه بثور.