الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١ - جملة القول في الضد و الخلاف و الوفاق
جملة القول في الضد و الخلاف و الوفاق
قالوا: الألوان كلها متضادّة، و كذلك الطعوم، و كذلك الأراييح، و كذلك الأصوات، و كذلك الملامس: من الحرارة و البرودة، و اليبس و الرطوبة، و الرخاوة و الصلابة، [و الملاسة][١]و الخشونة. و هذه جميع الملامس.
و زعموا أن التضاد إنما يقع بين نصيب الحاسّة الواحدة فقط. فإذا اختلفت الحواس صار نصيب هذه الحاسة الواحدة من المحسوسات، خلاف نصيب تلك الحاسة، و لم يضادّها بالضّدّ كاللّون و اللون؛ لمكان التفاسد، و الطعم و الرائحة؛ لمكان التفاسد.
و لا يكون الطعم ضدّ اللون، و لا اللون ضدّ الطعم، بل يكون خلافا. و لا يكون ضدّا و لا وفاقا، لأنه من غير جنسه، و لا يكون ضدّا، لأنه[لا][١]يفاسده.
و زعم من لا علم له من أصحاب الأعراض[٢]، أن السواد إنما ضادّ البياض، لأنهما لا يتعاقبان، و لا يتناوبان، و لأنهما يتنافيان.
قال القوم: لو كان ذلك من العلة، كان ينبغي لذهاب الجسم قدما أن يكون بعضه يضاد بعضا، لأن كونه في المكان الثاني لا يوجد مع كونه في المكان الثالث.
و كذلك التربيع: كطينة لو ربّعت بعد تثليثها، ثم ربّعت بعد ذلك. ففي قياسهم أن هذين التربيعين ينبغي لهما أن يكونا متضادّين، إذ كانا متنافيين، لأن الجسم لا يحتمل في وقت واحد طولين، و أن الضدّ يكون على ضدين: يكون أحدهما أن يخالف الشيء الشيء من وجوه عدة، و الآخر[أن][٣]يخالفه من وجهين[أو وجه][٣]فقط.
قالوا: و البياض يخالف الحمرة و يضادّها، لأنه يفاسدها و لا يفاسد الطعم؛ و كذلك البياض للصفرة و الحوّة[٤]و الخضرة. فأما السواد خاصة فإن البياض يضاده بالتفاسد، و كذلك التفاسد، و كذلك السواد.
و بقي لهما خاصة من الفصول في أبواب المضادة: أن البياض ينصبغ و لا يصبغ، و السواد يصبغ و لا ينصبغ، و ليس كذلك سائر الألوان لأنها كلها تصبغ و تنصبغ.
[١]زيادة يقتضيها المعنى.
[٢]انظر الحاشية السادسة، ص ٢٩.
[٣]زيادة يقتضيها المعنى.
[٤]الحوة: سواد إلى خضرة، أو حمرة إلى سواد.