الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٦ - ١٢٩٩- احتجاج النظام للكمون
و لم صارت تقدح على الاحتكاك حتى تلهبت، كالساج[١]في السفن إذا اختلط بعضه ببعض عند تحريك الأمواج لها؟و لذلك أعدّوا لها الرجال لتصبّ من الماء صبّا دائما. و تدوّم الريح فتحتك عيدان الأغصان في الغياض، فتلتهب نار فتحدث نيران.
و لم صار العود يحمى إذا احتكّ بغيره؟و لم صار الطّلق[٢]لا يحمى؟فإن قلت لطبيعة هناك، فهل دللتمونا إلا على اسم علّقتموه على غير معنى وجدتموه؟أ و لسنا قد وجدنا عيون ماء حارة و عيون ماء بارد، بعضها يبرص و ينفط الجلد[٣]، و بعضها يجمد الدم و يورث الكزاز[٤]؟أ و لسنا قد وجدنا عيون ريح[٥]و عيون نار[٦]؟فلم زعمتم أن الريح و الماء كانا مختنقين في بطون الأرض و لم تجوّزوا لنا مثل ذلك في النار؟و هل بين اختناق الريح و الماء فرق؟و هل الريح إلا هواء تحرّك؟و هل بين المختنق و الكامن فرق؟.
و زعم أبو إسحاق: أنه رمى بردائه في بئر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم التي من طريق مكة، فردّته الريح عليه.
و حدّثني رجل من بني هاشم قال: كنت برامة[٧]، من طريق مكة فرميت في بئرها ببعرة فرجعت إليّ، ثم أعدتها فرجعت، فرميت بحصاة فسمعت لها حريقا[٨] و حفيفا[٩]شديدا و شبيها بالجولان، إلى أن بلغت قرار الماء.
[١]الساج: شجر يعظم جدّا، و يذهب طولا و عرضا، و له ورق أمثال التراس الديلمية، يتغطى الرجل بورقة منه فتكنه «أي تستره» من المطر، و له رائحة طيبة. تشابه رائحة ورق الجوز مع رقة و نعمة.
«اللسان: سوج» .
[٢]الطّلق: نبت تستخرج عصارته فيتطلى به الذين يدخلون في النار. «اللسان: طلق» .
[٣]يبرص: يصيب بالبرص. ينفط: أصابه بالنفطة، و هي في أصلها بشرة تخرج في اليد من العمل ملأى ماء.
[٤]الكزاز: تشنج يصيب الإنسان.
[٥]عيون ريح: تنجم عن تحلل مواد عضوية في باطن الأرض، فتنشأ أبخرة و تتجمع، ثم تندفع إلى ظاهر الأرض.
[٦]عيون نار: هي ما تعرف بالبراكين.
[٧]رامة: منزل بينه و بين الرمادة ليلة، في طريق البصرة إلى الكوفة. «معجم البلدان: رامة» .
[٨]الحريق: الصريف، و في الحديث: «يحرقون أنيابهم غيظا و حنقا» أي يحكّون بعضها ببعض.
و الصوت الذي سمعه ذلك الرجل من الحصاة إنما هو لدفع الهواء إياها إلى أعلى و محاولتها هي النزول.
[٩]الحفيف: صوت الشيء تسمعه كالرنّة.