الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٧٥ - ١٤٥٠- أثر البيئة في العقيدة
على ذلك الفساد أجناد الملك. و لم يكن الملك ليقوى على العامة بأجناده، و بعشرة أضعاف أجناده، إلا أن يكون في العامة عالم من الناس، يكونون أعوانا للأجناد على سائر الرعية.
و على أن الملوك ليس لها في مثل هذه الأمور علّة تدعو إلى المخاطرة بملكها، و إنما غاية الملوك كل شيء لا بد للملوك منه، فأمّا ما فضل عن ذلك فإنها لا تخاطر بأصول الملك تطلب الفضول، إلا من كان ملكه في نصاب إمامة، و إمامته في نصاب نبوّة، فإنه يتّبع كلّ شيء توجبه الشريعة، و إن كان ذلك سبيل الرأي؛ لأن الذي شرع الشريعة أعلم بغيب تلك المصلحة.
و قد ينبغي أن يكون ذلك الزمان كان أفسد زمان، و أولئك الأهل كانوا شرّ أهل. و لذلك لم تر قطّ ذا دين تحوّل إلى المجوسيّة عن دينه. و لم يكن ذلك المذهب إلا في شقّهم و صقعهم[١]من فارس و الجبال و خراسان. و هذه كلها فارسية.
١٤٥٠-[أثر البيئة في العقيدة]
فإن تعجّبت من استسقاطي لعقل كسرى أبرويز و آبائه، و أحبائه و قرابينه و كتّابه و أطبائه، و حكمائه و أساورته-فإني أقول في ذلك قولا تعرف به أني ليس إلى العصبيّة ذهبت.
اعلم أني لم أعن بذلك القول الذين ولدوا بعد على هذه المقالة، و نشئوا على هذه الدّيانة، و غذوا بهذه النّحلة، و ربّوا جميعا على هذه الملة؛ فقد علمنا جميعا أن عقول اليونانية فوق الدّيانة بالدهرية و الاستبصار في عبادة البروج و الكواكب؛ و عقول الهند فوق الديانة بطاعة البدّ[٢]، و عبادة البددة[٣]، و عقول العرب فوق الدّيانة بعبادة الأصنام و الخشب المنجور، و الحجر المنصوب، و الصخرة المنحوتة.
فداء المنشأ و التقليد، داء لا يحسن علاجه جالينوس و لا غيره من الأطباء.
و تعظيم الكبراء، و تقليد الأسلاف، و إلف دين الآباء، و الأنس بما لا يعرفون غيره، يحتاج إلى علاج شديد. و الكلام في هذا يطول.
فإن آثرت أن تتعجب، حتى دعاك التعجّب إلى ذكر أبرويز-فاذكر سادات قريش، فإنهم فوق كسرى و آل كسرى.
[١]الشق و الصقعة: الناحية.
[٢]البددة: جمع بد، و هي كلمة فارسية معناها الصنم.