الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨٣ - ١٣٣١- علّة ذكر النار في كتاب الحيوان
و خساسة حالها-أظهر منها في الفرس الرّائع، و إن كان الفرس أنفع في باب الجهاد، و في الجاموس مع عظم شخصه، و في دودة القزّ، و في العنكبوت-أظهر منها في الليث الهصور، و العقاب الشّغواء[١].
و ربما كان ذكر العظيم الجثة الوثيق البدن، الذي يجمع حدّة الناب و صولة الخلق أكثر فائدة، و أظهر حكمة من الصّغير الحقير، و من القليل القميّ[٢]. كالبعير و الصّؤابة، و الجاموس و الثعلب و القملة.
و شأن الأرضة أعجب من شأن الببر[٣]مع مسالمة الأسد له، و محاربته للنمر.
و شأن الكركيّ[٤]أعجب من شأن العندليب، فإن الكركيّ من أعظم الطّير، و العندليب أصغر من ابن تمرة[٥].
و لذلك ذكر يونس بعض لاطة الرّواة فقال[٦]: «يضرب ما بين الكركيّ إلى العندليب» . يقول: لا يدع رجلا و لا صبيّا إلاّ عفجه.
و يشبه ذلك هجاء خلف الأحمر أبا عبيدة، حيث يقول: [من السريع]
و يضرب الكركي إلى القنبر # لا عانسا يبقي و لا محتلم
و العانس من الرجال مثله من النساء.
فلسنا نطنب في ذكر العظيم الجثة لعظم جثّته، و لا نرغب عن ذكر الصّغير الجثة، لصغر جثّته، و إنما نلتمس ما كان أكثر أعجوبة، و أبلغ في الحكمة، و أدلّ عند العامة على حكمة الرّبّ. و على إنعام هذا السّيّد.
و ربّ شيء الأعجوبة فيه إنما هي في صورته، و صنعته، و تركيب أعضائه، و تأليف أجزائه، كالطاوس في تعاريج ريشه، و تهاويل ألوانه، و كالزّرافة في عجيب [١]الشغواء: العقاب؛ سميت بذلك لفضل منقارها الأعلى على الأسفل. «حياة الحيوان ١/٦٠١» .
[٢]القمي: مخفف القميء، و هو الصغير الجسم.
[٣]الببر: ضرب من السباع، شبيه بابن آوى، و يقال إنه متولد من الزبرقان و اللبوة. «حياة الحيوان ١/١٥٩» .
[٤]الكركي: طائر كبير؛ أغبر؛ طويل الساقين. «حياة الحيوان ٢/٢٤٤» .
[٥]ابن تمرة: أصغر ما يكون من الطير، يجرس الزهر و الشجر، كما تجرس النحل و الدبر. «المخصص ٨/١٦٥» .
[٦]في مجمع الأمثال ٢/٤٢٨: «يصيد ما بين الكركي إلى العندليب» . و انظر كنايات الثعالبي ٢٧.