الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٦٤ - ١٤٣٣- بيت الفأر
١٤٣٢-[فأرة المسك]
و سألت[١]بعض العطارين من أصحابنا المعتزلة عن فأرة المسك فقال: ليس بالفأرة، و هو بالخشف أشبه. ثم قصّ عليّ شأن المسك و كيف يصطنع. و قال، لو لا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد تطيّب بالمسك لما تطيّبت به، فأمّا الزباد[٢]فليس مما يقرب ثيابي منه شيء.
قلت له: و كيف يرتضع الجدي من لبن خنزيرة فلا يحرم لحمه؟قال: لأنّ ذلك اللبن استحال لحما، و خرج من تلك الطبيعة، و من تلك الصورة، و من ذلك الاسم.
و كذلك لحوم الجلاّلة[٣]. فالمسك غير الدّم، و الخلّ غير الخمر. و الجوهر ليس يحرم بعينه، و إنما يحرم للأعراض و العلل. فلا تقزّز منه عند تذكرك الدّم الحقين؛ فإنه ليس به. و قد تتحوّل النار هواء، و الهواء ماء، فيصير الشبه الذي بين الماء و النار بعيدا جدّا.
١٤٣٣-[بيت الفأر]
و الجرذان لا تحفر بيوتها على قارعة طريق، و تجتنب الخفض؛ لمكان المطر، و تجتنب الجوادّ[٤]؛ لأن الحوافر تهدم عليها بيوتها. فإذا أخرجها وقع حافر فرس، مع هذا الصّنيع، دلّ ذلك على شدة الجري و الوقع. و قال امرؤ القيس[٥]يصف فرسه:
[من الطويل]
فللسّوط ألهوب و للرّجل درّة # و للزّجر منه وقع أهوج منعب[٦]
[١]هذا الخبر نقله ابن منظور في اللسان ٥/٤٢-٤٣ (فأر) ، و جعله متصلا مع الخبر الذي ورد في ص ١٦٢.
[٢]الزباد: ضرب من الطب، و هو عرق حيوان يشبه السنور.
[٣]الجلالة: التي تأكل العذرة و تتبع النجاسات.
[٤]الجواد: جمع جادة، و هي معظم الطريق.
[٥]ديوان امرئ القيس ٥١، و الأول في اللسان و التاج (نعب) ، و الجمهرة ١١٩٣، و التهذيب ٦/٣١٥، و بلا نسبة في المخصص ٦/١٦٦، و هو بقافية (مهذب) في اللسان و التاج (لهب، هذب) ، و بلا نسبة في المقاييس ٥/٢١٤، و الثاني في شرح شذور الذهب ٢٠٢، و الأساس (نوط) ، و الثالث في اللسان (عكد، غبا) ، و التاج (عكد) ، و التهذيب ٨/٢٠٨، و الرابع في اللسان و التاج (نفق، خفي) ، و المقاييس ٢/٢٠٢، و العين ٤/٣١٤، و التهذيب ٧/٥٩٦، و بلا نسبة في التاج (جلب) .
[٦]في ديوانه: «يقول: إذا حركه بساقه ألهب الجري، أي أتى بجري شديد كالتهاب النار، و إذا ضربه بالسوط درّ بالجري، و إذا زجره وقع منه موقعه من الأهوج الذي لا عقل معه؛ أي كأن هذا الفرس-