الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٦ - ١٢٨٠- نقد النظام لبعض مذاهب الفلاسفة
النار و الحجر[١]و غير ذلك من الأمور الكامنة. فإن قلتم بذلك فقد تركتم قولكم.
و إن أبيتم فلا بدّ من القول. قال أبو إسحاق: و قد خلط أيضا كثير منهم فزعموا أن طباع الشيخ البلغم.
و لو كان طباعه البلغم، و البلغم ليّن رطب أبيض، لما ازداد عظمه نحولا، و لونه سوادا، و جلده تقبّضا.
و قال النّمر بن تولب[٢]: [من الطويل]
كأنّ محطّا في يدي حارثيّة # صناع علت منّي به الجلد من عل[٣]
و قال الراجز[٤]: [من الرجز]
و كثرت فواضل الإهاب[٥]
قال: و لكنهم لما رأوا بدنه يتغضّن، و يظهر من ذلك التغضّن رطوبات بدنية كالبلغم من الفم، و المخاط السائل من الأنف، و الرّمص[٦]و الدمع من العين، ظنوا أن ذلك لكثرة ما فيه من أجزاء الرطوبات. و أرادوا أن يقسّموا الصّبا و الشباب، و الكهولة و الشيوخة على أربعة أقسام كما تهيأ لهم ذلك في غير باب.
و إذا ظهرت تلك الرطوبات، فإنما هي لنفي اليبس لها، و لعصره قوى البدن.
و لو كان الذي ذكروا لكان دمع الصّبا أكثر و مخاطه أغزر، و رطوباته أظهر. و في البقول و الرياحين و الأغصان و الأشجار ذلك؛ إذ كانت في الحداثة أرطب، و على مرور السنين و الأيام أيبس.
قال الرّاجز[٧]: [من الرجز] [١]يقصد كمون النار و اختفاءها في الحجر الذي تقتدح منه النار.
[٢]ديوان النمر بن تولب ٣٦٧، و اللسان و التاج (حطط) ، و الجمهرة ٩٩، و البرصان ١٨٩، و بلا نسبة في ديوان الأدب ٣/٥٣.
[٣]في ديوانه: «المحط: حديدة أو خشبة يصقل بها الجلد حتى يلين و يبرق، و أراد بالحارثية:
النسبة إلى الحارث بن كعب لأنهم أهل أدم. شبّه برقان بدنه لماء الشباب بالأديم المصقول» .
[٤]الرجز بلا نسبة في البرصان ١٨٩.
[٥]الإهاب: الجلد ما لم يدبغ.
[٦]الرمص: هو البياض الذي تقطعه العين و يجتمع في زوايا الأجفان.
[٧]الرجز في البيان ١/٣٩٩-٤٤٠، ٢/٦٩، و عيون الأخبار ٢/٣٢١، و الفاضل للمبرد ٧٠، و العقد ٢/٥٢، و اللسان و التاج (عكر) ، و التهذيب ١/٣٠٥. ـ