الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٦ - ١٢٦٨- رد النظام على ضرار في إنكار الكمون
و إن زعم أنه إنما أنكر أن تكون النار كانت في العود، لأنه وجد النار أعظم من العود، و لا يجوز أن يكون الكبير في الصغير، و كذلك الدخان-فليزعم أن الدخان لم يكن في الحطب، و في الزّيت و في الزّيت و في النّفط.
فإن زعم أنهما سواء، و أنه إنما قال بذلك لأن بدن ذلك الحطب لم يكن يسع الذي عاين من بدن النار و الدخان، فليس ينبغي لمن أنكر كمونها من هذه الجهة أن يزعم أنّ شرر القدّاحة و الحجر لم يكونا كامنين في الحجر و القدّاحة.
و ليس ينبغي أن ينكر كمون الدم في الإنسان، و كمون الدّهن في السمسم، و كمون الزيت في الزيتون. و لا ينبغي أن ينكر من ذلك إلا ما لا يكون الجسم يسعه في العين.
فكيف و هم قد أجروا هذا الإنكار في كلّ ما غاب عن حواسّهم من الأجسام المستترة بالأجسام حتى يعود بذلك إلى إبطال الأعراض؟!كنحو حموضة الخلّ، و حلاوة العسل، و عذوبة الماء، و مرارة الصبر.
قال: فإن قاسوا قولهم و زعموا أن الرماد حادث، كما قالوا في النار و الدّخان، فقد وجب عليهم أن يقولوا في جميع الأجسام مثل ذلك كالدقيق المخالف للبرّ في لونه، و في صلابته، و في مساحته، و في أمور غير ذلك منه. فقد ينبغي أن يزعم أن الدقيق حادث، و أن البرّ قد بطل.
و إذا زعم ذلك زعم أنّ الزّبد الحادث بعد المخض لم يكن في اللبن، و أنّ جبن اللبن حادث، و قاس ماء الجبن على الجبن. و ليس اللبن إلا الجبن و الماء.
و إذا زعم أنهما حادثان، و أن اللبن قد بطل، لزمه أن يكون كذلك الفخّار، الذي لم نجده حتى عجنّا التراب اليابس المتهافت على حدته، بالماء الرّطب السيّال على حدته، ثم شويناه بالنار الحارّة الصّعّادة على حدتها. و وجدنا الفخار في العين و اللمس و الذّوق و الشّمّ، و عند النّقر و الصّكّ-على خلاف ما وجدنا عليه النار وحدها، و الماء وحده، و التّراب وحده؛ فإنّ ذلك الفخار هو تلك الأشياء. و الحطب هو تلك الأشياء، إلا أن أحدها من تركيب العباد، و الآخر من تركيب اللّه.
و العبد لا يقلب المركّبات عن جواهرها بتركيبه ما ركب منها.
و الحجر متى صكّ بيضة كسرها، و كيف دار الأمر، سواء كانت الرّيح تقلبه أو إنسان.