الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨ - ١٢٧٠- ردّ على منكري كمون النار في الحطب
و حدث له كثافة، إلى أن تعود أجزاؤه مطرا. فالماء ضدّ النار، و الهواء خلاف لهما، و ليس بضدّ. و لا يجوز أن ينقلب الجوهر إلى ضده حتى ينقلب بديّا إلى خلافه. فقد يستقيم أن ينقلب الماء هواء، ثم ينقلب الهواء نارا، و ينقلب الهواء ماء، ثم ينقلب الماء أرضا. فلا بدّ في الانقلاب من الترتيب و التدريج. و كلّ جوهر فله مقدمات؛ لأن الماء قد يحيل الطين صخرا، و كذلك في العكس، فلا يستحيل الصخر هواء، و الهواء صخرا، إلا على هذا التنزيل و الترتيب.
و قال أبو إسحاق لمن قال بذلك من حذّاق أصحاب الأعراض: قد زعمتم أن النار التي عاينّاها لم تخرج من الحطب، و لكنّ الهواء المحيط بهما احتدم و استحال نارا. فلعلّ الحطب الذي يسيل منه الماء الكثير، أن يكون ذلك الماء لم يكن في الحطب، و لكنّ ذلك المكان من الهواء استحال ماء. و ليس ذلك المكان من الهواء أحقّ بأن يستحيل ماء من أن يكون سبيل الدخان في الاستحالة سبيل النار و الماء.
فإن قاس القوم ذلك، فزعموا أن النار التي عاينّاها، و ذلك الماء و الدخان في كثافة الدخان و سواده، و الذي يتراكم منه في أسافل القدور و سقف المطابخ إنما ذلك هواء استحال، فلعلّ الرماد أيضا، هواء استحال رمادا.
فإن قلتم: الدّخان في أول ثقله المتراكم على أسافل القدور، و في بطون سقف مواقد الحمامات، الذي إذا دبّر ببعض التدبير جاء منه الأنقاس[١]العجيبة أحق بأن استحال أرضيّا. فإن قاس صاحب العرض، و زعم أن الحطب انحلّ بأسره، فاستحال بعضه رمادا كما قد كان بعضه رمادا مرة، و استحال بعضه ماء كما كان بعضه ماء مرة، و بعضه استحال أرضا، كما كان بعضه أرضا مرة، و لم يقل إن الهواء المحيط به استحال رمادا، و لكنّ بعض أخلاط الحطب استحال رمادا و دخانا، و بعض الهواء المتصل به استحال ماء و بعضه استحال نارا، على قدر العوامل، و على المقابلات له.
و إذا قال صاحب العرض ذلك كان قد أجاب في هذه الساعة على حدّ ما نزّلته لك.
و هذا باب من القول في النار. و علينا أن نستقصي للفريقين و اللّه المعين.
١٢٧٠-[ردّ على منكري كمون النار في الحطب]
و باب آخر، و هو أن بعض من ينكر كمون النار في الحطب قالوا: إن هذا الحرّ [١]الأنقاس: جمع نقس، و هو المداد.