الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤ - ١٢٦٧- قول أبي إسحاق النظام في النار
قال: و نحن إنما صرنا إذا أطفأنا نار الأتّون[١]وجدنا أرضه و هواه و حيطانه حارّة، و لم نجدها مضيئة، لأن في الأرض، و في الماء الذي قد لابس الأرض، حرّا كثيرا، و تداخلا متشابكا؛ و ليس فيهما ضياء. و قد كان حرّ النار هيّج تلك الحرارة فأظهرها، و لم يكن هناك ضياء من ملابس فهيّجه الضياء و أظهره، كما اتصل الحرّ بالحرّ فأزاله من موضعه، و أبرزه من مكانه. فلذلك وجدنا أرض الأتّون[١]، و حيطانها، و هواها حارّة، و لم نجدها مضيئة.
و زعم أبو إسحاق أنّ الدليل على أن في الحجر و العود نارا مع اختلاف الجهات، أنه يلزم من أنكر ذلك أن يزعم أن ليس في السّمسم دهن و لا في الزّيتون زيت.
و من قال ذلك لزمه أن يقول: أن ليس في الإنسان دم، و أنّ الدّم إنّما تخلّق عند البطّ[٢]، و كان ليس بين من أنكر أن يكون الصّبر[٣]مرّ الجوهر، و العسل حلو الجوهر قبل ألاّ يذاقا، و بين السمسم و الزيتون قبل أن يعصرا-فرق.
و إن زعم الزاعم أنّ الحلاوة و المرارة عرضان، و الزيت و الخلّ جوهر، و إذا لزم من قال ذلك في حلاوة العسل، و حموضة الخلّ، و هما طعمان-لزمه مثل ذلك في ألوانهما، فيزعم أنّ سواد السّبج[٤]، و بياض الثلج، و حمرة العصفر، و صفرة الذهب، و خضرة البقل، إنما تحدث عند رؤية الإنسان، و إن كانت المعاينة و المقابلة غير عاملتين في تلك الجواهر.
قال: فإذا قاس ذلك المتكلّم في لون الجسم بعد طعمه، و في طوله و عرضه و صورته بعد رائحته، و في خفته و ثقل وزنه، كما قاس في رخاوته و صلابته-فقد دخل في باب الجهالات، و لحق بالذين زعموا أن القربة ليس فيها ماء، و إن وجدوها باللمس ثقيلة مزكورة[٥]و إنما تخلّق عند حلّ رباطها. و كذلك فليقولوا في الشمس و القمر، و الكواكب، و الجبال، إذا غابت عن أبصارهم.
قال: فمن هرب عن الانقطاع إلى الجهالات، كان الذي هرب إليه أشدّ عليه.
[١]الاتّون: الموقد.
[٢]بطّ الجرح: شقه، و المبطة: المبضع.
[٣]الصّبر: عصارة شجر مر.
[٤]السبج: الخرز الأسود.
[٥]مزكورة: مملوءة.