الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٧ - ١٢٨٠- نقد النظام لبعض مذاهب الفلاسفة
اسمع أنبّئك بآيات الكبر # نوم العشيّ و سعال بالسّحر[١]
و سرعة الطّرف و ضعف في النظر # و تركي الحسناء في قبل الطّهر[٢]
و حذر ازداده إلى حذر # و الناس يبلون كما يبلى الشجر[٣]
و كان يتعجّب من القول بالهيولى.
و كان يقول: قد عرفنا مقدار رزانة[٤]البلّة. و سنعطيكم أن للبرد وزنا. أ ليس الذي لا تشكّون فيه أن الحر خفيف و لا وزن له، و أنه إذا دخل في جرم له وزن صار أخفّ. و إنكم لا تستطيعون أن تثبتوا لليبس من الوزن مثل ما تثبتون للبلّة. و على أنّ كثيرا منكم يزعم أن البرد المجمد للماء هو أيبس.
و زعم بعضهم أن البرد كثيرا ما يصاحب اليبس، و أن اليبس وحده لو حلّ بالماء لم يجمد، و أن البرد وحده لو حلّ بالماء لم يجمد، و أن الماء أيضا يجمد لاجتماعهما عليه. و في هذا القول أن شيئين مجتمعين قد اجتمعا على الإجماد، فما تنكرون أن يجتمع شيئان على الإذابة؟!.
و إن جاز لليبس أن يجمد جاز للبلّة أن تذيب.
قال أبو إسحاق: فإن كان بعض هذه الجواهر صعّادا و بعضها نزّالا، و نحن نجد الذهب أثقل من مثله من هذه الأشياء النزّالة، فكيف يكون أثقل منها و فيه أشياء صعّادة؟!.
فإن زعموا أن الخفة إنما تكون من التّخلخل و السّخف[٥]، و كثرة أجزاء الهواء في الجرم. فقد ينبغي أن يكون الهواء أخفّ من النار، و أن النار في الحجر، كما أن فيه هواء. و النار أقوى رفع الحجر من الهواء الذي فيه.
[١]بعده في البيان، و الفاضل؛ و عيون الأخبار:
(و قلة النوم إذا الليل اعتكر # و قلة الطعم إذا الزاد حضر)
[٢]بعده في الفاضل: (و كثرة النسيان فيما يدّكر) .
[٣]بعده في الفاضل: (فهذه أعلام آيات الكبر) .
[٤]الرزانة: النقل.
[٥]التخلخل: أن يكون الجسم غير متضام الأجزاء، و السخف: الخفة و الرقة.