الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٤ - ١٢٧٩- رد النظام على الديصانية
و لأن الضياء قرص قائم، و شعاع ساطع فاصل، و ليس للظلام قرص. و لو كان في هذا العالم شيء يقال له ظلام، لما قام إلا في قرص، فكيف تكون الأرض قرصة، و الأرض غبراء، و لا ينبغي أن يكون شعاع الشيء أسبغ منه[١].
قال: و الأول لا يشبه القول في اليبس و البلة، و القول في الحر و البرد، و القول في اليبس و الرطوبة. و القول في الخشونة و اللين، لأن التراب لو كان كله يابسا، و كان اليبس في جميع أجزائه شائعا، لم يكن بعضه أحق بالتقطيع و التبرد و التهافت، من الجزء الذي نجده متمسكا[٢].
قال خصمه: و لو كان أيضا التهافت الذي نجده فيه إنما هو لعدم البلة، و كله قد عدم البلّة، لكان ينبغي للكل أن يكون متهافتا، و لا نجد منه جزءين متلازقين.
فإن زعمتم أنه إنما اختلف في التهافت على قدر اختلاف اليبس، فينبغي لكم أن تجعلوا اليبس طبقات، كما يجعل ذلك للخضرة و الصّفرة.
و قال إبراهيم: أ رأيت لو اشتمل اليبس الذي هو غاية التّراب كله كما عرض لنصفه، أ ما كان واجبا أن يكون الافتراق داخلا على الجميع؟و في ذلك القول بالجزء الذي لا يتجزأ.
و أبو إسحاق، و إن كان اعترض على هؤلاء في باب القول في اليبس، فإنّ المسألة عليه في ذلك أشد.
و كان أبو إسحاق يقول: من الدليل على أن الضياء أخفّ من الحرّ أنّ النار تكون منها على قاب غلوة[٣]فيأتيك ضوؤها و لا يأتيك حرها. و لو أن شمعة في بيت غير ذي سقف، لارتفع الضوء في الهواء حتى لا تجد منه على الأرض إلا الشيء الضعيف، و كان الحرّ على شبيه بحاله الأول.
١٢٧٩-[رد النظام على الديصانية]
و قال أبو إسحاق: زعمت الديصانية[٤]أن أصل العالم إنما هو من ضياء و ظلام، [١]أسبغ منه: أكبر منه.
[٢]متمسكا: عنى به: الحجر و نحوه.
[٣]الغلوة: مقدار رمية السهم.
[٤]الديصانية: فرقة من المجوس، و هم أصحاب ديصان، الذي كان قبل ماني. و المذهبان متقاربان، و يختلفان في اختلاط النور و الظلمة. انظر فهرست ابن النديم ٤٧٤، و الملل و النحل ٢/٨٨.