الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٠٤ - ١٣٤٣- شعر في حفظ السرّ
قال: و ولي دستبى[١]فخرج إليها في أصحابه، فلما شارفها عرضت له الخوارج، و كان أكثر منهم عددا و عدّة، فقال: و اللّه لأصافّنّهم، و لأعبّينّ أصحابي فلعلهم إذا رأوا كثرتهم انصرفوا، و لا أزال بذلك قويّا في عملي هذا. فلما رأت الخوارج كثرة القوم نزلوا عن خيولهم فعرقبوها[٢]و قطّعوا أجفان سيوفهم، و نبذوا كل دقيق كان معهم، و صبّوا أسقيتهم. فلما رأى ذلك رأى الموت الأحمر. فأقبل عليهم فقال: عرقبتم دوابّكم و قطّعتم أجفان سيوفكم، و نبذتم دقيقكم؟خار اللّه لنا و لكم! ثم ضرب وجوه أصحابه و انصرف عنهم.
١٣٤٢-[ضيق صدر النظّام بحمل السرّ]
و كان أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام. أضيق الناس صدرا بحمل سرّ و كان شرّ ما يكون إذا يؤكّد عليه صاحب السر و كان إذا لم يؤكّد عليه ربما نسي القصّة، فيسلم صاحب السرّ.
و قال له مرة قاسم التمّار: سبحان اللّه ما في الأرض أعجب منك، أودعتك سرّا فلم تصبر عن نشره يوما واحدا، و اللّه لأشكونّك للناس! فقال: يا هؤلاء، سلوه نممت عليه مرة واحدة، أو مرتين، أو ثلاثا، أو أربعا، فلمن الذنب الآن؟ فلم يرض بأن يشاركه في الذّنب، حتى صيّر الذّنب كله لصاحب السرّ.
١٣٤٣-[شعر في حفظ السرّ]
و قال بعض الشعراء[٣]: [من المتقارب]
ختمت الفؤاد على سرّها # كذاك الصحيفة بالخاتم
هوى بي إلى حبّها نظرة # هويّ الفراشة للجاحم[٤]
و قال البعيث[٥]: [من الطويل]
فإن تك ليلى حمّلتني لبانة # فلا و أبي ليلى إذا لا أخونها[٦]
[١]دستبى: كورة كبيرة كانت مقسومة بين الري و همذان. معجم البلدان ٢/٤٥٤.
[٢]عرقبوها: حزوا عراقيبها بالسيوف. و عرقوب الدابة في رجلها؛ بمنزلة الركبة في يدها.
[٣]البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب ٣٩٩ (٧٣٠) ، و تقدما في ٣/١٨٨، ١٨٩.
[٤]الجاحم: النار العظيمة في مهواة.
[٥]البيت الأول لمجنون ليلى في ديوانه ٢٦٨، و بلا نسبة في أمالي القالي ١/٧١.
[٦]اللبانة: الحاجة.