المستند في شرح العروة الوثقى - ط دار المؤرخ العربي - البروجردي، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٤
عرفت
أنّ شيخنا الأستاذ قدس سره احتاط في مناسكه بعدم الصلاة في جلده، فكأنّه لم
يثبت لديه قدس سره ترتيب تمام الأحكام، ومن ثمّ احتاط.
ولا يخفى أنّ الاحتياط وإن كان حسناً وفي محله، بل الأظهر هو عدم الجواز كما ستعرف إن شاء الله.
إلاّ
أنّه لم يتضح لدينا وجه لتخصيص الاحتياط بالجلد لأنّه لو بنى على ترتيب
أحكام الميتة التي منها عدم جواز الصلاة فيها فموضوع هذا العدم هو مطلق
الاجزاء حتى اللحم والشحم ولا يختص بالجلد، فكان الأولى به قدس سره أن
يقول: (فيه) بدل قوله (في جلده).
وكيفما كان يقع الكلام في كل من فقرتي الموثقة، أي تارة فيما ذبحه المحل في الحرم وأخرى: فيما ذبحه المحرم في الحل.
أما
الموضع الأول فلا ينبغي الشك في عدم جواز الصلاة في شيء من أجزاء المذبوح،
سواء أقلنا بأنّ التنزيل ناظر إلى مطلق الأحكام أم إلى خصوص حرمة الأكل،
ضرورة أنّ الحيوان المزبور بعد أن حرم أكله سواء أكان الذابح محلاً أو
محرماً فهو مندرج تحت عنوان (محرّم الأكل) الذي لا فرق بينه وبين الميتة في
عدم جواز الصلاة في أجزائهما، سواء أكانت الحرمة ذاتية أم عرضية كالجلاّل
وموطوءة الإنسان والصيد المذبوح في الحرم ــ كما في المقام ــ كما تقدم في
كتاب الطهارة.
وبالجملة: فالصيد المزبور محرّم أكله لكل أحد، وغير قابل
للتذكية ما دام موجوداً في الحرم، ومتى كان كذلك لم تجز الصلاة في شيءٍ من
أجزائه، سواء أقلنا بأنّه ميتة أم لا.
وأما من حيث النجاسة فيبتني على
استظهار عموم المنزلة من قوله في الموثقة ((فهو ميتة)). وأما بناءً على
انصراف التنزيل إلى أظهر الآثار وأبرزها الذي هو في الميتة حرمة الأكل لا
النجاسة فلا يحكم بها وهذا هو الأظهر.
١٥
وقد
تقدم نظير المقام في غير مورد، منها: نجاسة العصير العنبي وعدمها، حيث ورد
في معتبرة معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من
أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ــ إلى أن قال ــ فقال: ((خمر[١] لا تشربه))[٢].
وقد
ذكرنا في محله أنّ الظاهر من تنزيل العصير منزلة الخمر تنزيله في أظهر
الآثار التي هي الحرمة لا النجاسة، ومن ثمّ لم نلتزم بنجاسة العصير العنبي.
وأما
الموضع الثاني فلا ريب أنّ ما ذبحه المحرم في الحل محرم أكله عليه وعلى
المحل، ولكنه مع ذلك لا يندرج بذلك تحت عنوان ما لا يحل أكله ليترتب عليه
أحكامه، ضرورة أنّ حرمة الأكل لم تنبعث عن خصوصية في نفس المصيد كما كان
كذلك في الفرض السابق ــ وهو كون الصيد في الحرم ــ وإنما نشأت عن خلل في
الذابح وهو كونه محرماً مستوجباً لفقد شرط من شرائط التذكية ــ الواردة على
الصيد ــ كما لو كان الذابح كافراً أو الذبح إلى غير جهة القبلة متعمداً
أو بغير الحديد مع التمكن منه فإنّ شيئاً من هذه الأمور لا يستوجب اندراج
المذبوح فيما لا يؤكل بل غايته أن يكون ميتة.
وحينئذٍ فترتيب آثارها من
النجاسة وعدم الصلاة ونحوهما مبني على الاذعان بعموم التنزيل. وأما مع
الاقتصار على أظهر الآثار وأبرزها والذي هو حرمة الأكل فلا يترتب منها إلا
ذلك فحسب، فتجوز الصلاة فيه كما يحكم بطهارته.
هذا كله مماشاة مع ما ذكره القوم في ابتناء الحكم على عموم التنزيل وعدمه.
والتحقيق:
أنّه لا أساس له، إذ لا ظهور لقوله عليه السلام ((فهو ميتة)) في إرادة
التنزيل ليبحث عن أنّ المراد هل هو عمومه أو بلحاظ بعض الآثار، كما لا
قرينة عليه بوجه كما هي قائمة في مثل قوله عليه السلام في معتبرة معاوية بن
عمار
[١] كلمة (خمر) لم تذكر في الوسائل وهي موجودة في التهذيب ج٩ ص١٢٢.
[٢] وسائل الشيعة: باب ٧ من أبوابالأشربة المحرمة، ح٤.
١٦المتقدمة: ((خمر لا تشربه)) حيث إنّا نقطع بأن العصير لم يكن من مصاديق الخمر يقيناً لا لغةً ولا عرفاً، إذ الخمر يسكر العقل ولا إسكار في العصير بوجه، فلا جرم يحكم بهذه القرينة على إرادة التنزيل.
وأما في المقام فلا قرينة أبداً، ولم نجد أيّ مانع من الأخذ بظاهر الكلام، والحمل على المعنى الحقيقي، بأن يراد أنّ الذبح الصادر من المحرم ولو في الحل لم يكن ذبحاً شرعياً لأنّ من شرائط تذكية الصيد في الحلّ أن يكون الذابح أيضاً محلاً، فمع فقده تكون الذبيحة ميتة حقيقة، كما في فقد سائر الشرائط من إسلام الذابح، والتوجه إلى القبلة، وكون الآلة حديداً، فكما يصحّ إطلاق الميتة على سبيل الحقيقة على الفاقد لسائر الشرائط فكذا في المقام بمناط واحد.
إذاً يترتب عليه جميع أحكام الميتة من النجاسة وعدم جواز الصلاة فضلاً عن حرمة الأكل، وهذا هو الظاهر.
ومن الغريب ما استدل به بعضهم على عدم كونه من الميتة بما ورد من جواز الشرب من القربة المتخذة من جلد الصيد، مدعياً صراحته في المطلوب وإلاّ فكيف يسوغ شرب الماء المتنجس بملاقاة جلد الميتة.
ووجه الغرابة أنّ مفروض الرواية اتخاذ القرب من مطلق الصيد لا خصوص مذبوح المحرم أو المذبوح في الحرم المختص عنوان الميتة بهما لا غير، إذ لا إشكال في حلية الصيد في غير هاتين الصورتين بمقتضى الموثقة وغيرها، فغاية ما في الباب ارتكاب التقييد في هذه الرواية بحملها على الصيد في غير هاتين الصورتين، الذي هو ليس بعزيز في الفقه كارتكاب التقييد في النصوص