البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٥٧ - الأحزاب آيه ٣٥-٣٣
وَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَخْرٍ زَعَمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ لِلْخِلاَفَةِ أَهْلاً،وَ لَمْ أَرَ نَفْسِي لَهَا أَهْلاً!فَكَذَبَ مُعَاوِيَةُ،وَ أَيْمُ اللَّهِ لَأَنَّا أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ،وَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَزَلْ أَهْلَ الْبَيْتِ مَخِيفِينَ،مَظْلُومِينَ، مُضْطَهِدِينَ مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَاللَّهُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا،وَ نَزَلَ عَلَى رِقَابِنَا،وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى أَكْتَافِنَا،وَ مَنَعَنَا سَهْمَنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْفَيْءِ وَ الْغَنَائِمِ،وَ مَنَعَ أُمَّنَا فَاطِمَةَ(عَلَيْهَا السَّلاَمُ)إِرْثَهَا مِنْ أَبِيهَا.
إِنَّا لاَ نُسَمِّي أَحَداً،وَ لَكِنْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً تَالِياً،لَوْ أَنَّ النَّاسَ سَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رَسُولِهِ لَأَعْطَتْهُمُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا،وَ الْأَرْضُ بَرَكَتَهَا،وَ لَمَا اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَيْفَانِ،وَ لَأَكَلُوهَا خَضْرَاءَ خَضِرَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،وَ مَا طَمِعْتَ فِيهَا،يَا مُعَاوِيَةُ،وَ لَكِنَّهَا لَمَّا أُخْرِجَتْ سَالِفاً مِنْ مَعْدِنِهَا،وَ زُحْزِحَتْ عَنْ قَوَاعِدِهَا تَنَازَعَتْهَا قُرَيْشٌ بَيْنَهَا، وَ تَرَامَتْهَا كَتَرَامِي الْكُرَةِ،حَتَّى طَمِعْتَ فِيهَا أَنْتَ-يَا مُعَاوِيَةُ-وَ أَصْحَابُكَ مِنْ بَعْدِكَ،وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):
مَا وَلَّتْ امَّةٌ أَمْرَهَا رَجُلاً قَطُّ،وَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ،إِلاَّ لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالاً حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَا تَرَكُوا.
وَ قَدْ تَرَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ-وَ كَانُوا أَصْحَابَ مُوسَى-هَارُونَ أَخَاهُ وَ خَلِيفَتَهُ وَ وَزِيرَهُ،وَ عَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ، وَ أَطَاعُوا فِيهِ سَامِرِيَّهُمْ،وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَلِيفَةُ مُوسَى،وَ قَدْ سَمِعَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يَقُولُ ذَلِكَ لِأَبِي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):إِنَّهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي.وَ قَدْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حِينَ نَصَبَهُ لَهُمْ بِغَدِيرِ خُمٍّ،وَ سَمِعُوهُ،وَ نَادَى لَهُ بِالْوِلاَيَةِ،ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغَ الشَّاهِدُ مِنْهُمُ الْغَائِبَ،وَ قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حَذَراً [١] مِنْ قَوْمِهِ إِلَى الْغَارِ-لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَمْكُرُوا بِهِ وَ هُوَ يَدْعُوهُمْ-لِمَا لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً،وَ لَوْ وَجَدَ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً لَجَاهَدَهُمْ.
وَ قَدْ كَفَّ أَبِي يَدَهُ،وَ نَاشَدَهُمْ،وَ اسْتَغَاثَ أَصْحَابَهُ،فَلَمْ يُغَثْ،وَ لَمْ يُنْصَرْ،وَ لَوْ وَجَدَ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً مَا أَجَابَهُمْ، وَ قَدْ جُعِلَ فِي سَعَةٍ كَمَا جُعِلَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي سَعَةٍ.
وَ قَدْ خَذَلَتْنِي الْأُمَّةُ وَ بَايَعْتُكَ-يَا ابْنَ حَرْبٍ-وَ لَوْ وَجَدْتُ عَلَيْكَ أَعْوَاناً يَخْلُصُونَ مَا بَايَعْتُكَ،وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هَارُونَ فِي سَعَةٍ حِينَ اسْتَضْعَفَهُ قَوْمُهُ وَ عَادُوهُ،كَذَلِكَ أَنَا وَ أَبِي فِي سَعَةٍ مِنَ اللَّهِ حِينَ تَرَكَتْنَا الْأُمَّةُ وَ تَابَعَتْ [٢]غَيْرَنَا،وَ لَمْ نَجِدْ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً،وَ إِنَّمَا هِيَ السُّنَنُ وَ الْأَمْثَالُ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضاً.
أَيُّهَا النَّاسُ،إِنَّكُمْ لَوِ الْتَمَسْتُمْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ رَجُلاً جَدُّهُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ أَبُوهُ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ تَجِدُوا غَيْرِي وَ غَيْرَ أَخِي،فَاتَّقُوا اللَّهَ،وَ لاَ تَضِلُّوا بَعْدَ الْبَيَانِ،وَ كَيْفَ بِكُمْ،وَ أَنَّى ذَلِكَ لَكُمْ؟أَلاَ وَ إِنِّي قَدْ بَايَعْتُ هَذَا-وَ أَشَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ- وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتٰاعٌ إِلىٰ حِينٍ [٣].
أَيُّهَا النَّاسُ،إِنَّهُ لاَ يُعَابُ أَحَدٌ بِتَرْكِ حَقِّهِ،وَ إِنَّمَا يُعَابُ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَيْسَ لَهُ،وَ كُلُّ صَوَابٍ نَافِعٌ،وَ كُلُّ خَطَأٍ ضَارٌ لِأَهْلِهِ،وَ قَدْ كَانَتِ الْقَضِيَّةُ فَفَهِمَهَا سُلَيْمَانُ،فَنَفَعَتْ سُلَيْمَانَ،وَ لَمْ تَضُرَّ دَاوُدَ،وَ أَمَّا الْقَرَابَةُ فَقَدْ نَفَعَتِ الْمُشْرِكَ،وَ هِيَ وَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ أَنْفَعُ،قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ فِي الْمَوْتِ:قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْفَعْ لَكَ بِهَا يَوْمَ
[١] في المصدر:حذارا.
[٢] في المصدر:و بايعت.
[٣] الأنبياء ٢١:١١١.