البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٣٥ - الأحزاب آيه ٢٧-٢٦
وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً* وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيٰارَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهٰا وَ كٰانَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الْمَدِينَةَ،وَ اللِّوَاءُ مَعْقُودٌ،أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْغُبَارِ،فَنَادَاهُ جَبْرَئِيلُ:«عَذِيرُكَ مِنْ مُحَارِبٍ،وَ اللَّهِ مَا وَضَعَتِ الْمَلاَئِكَةُ لِأُمَّتِهَا،فَكَيْفَ تَضَعُ لِأُمَّتِكَ؟إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ لاَ تُصَلِّيَ الْعَصْرَ إِلاَّ بِبَنِي قُرَيْظَةَ،فَإِنِّي مُتَقَدِّمُكَ،وَ مُزَلْزِلٌ بِهِمْ حِصْنَهُمْ،إِنَّا كُنَّا فِي آثَارِ الْقَوْمِ،نَزْجُرُهُمْ زَجْراً،حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ [١]».
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَاسْتَقْبَلَهُ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ،فَقَالَ لَهُ:«مَا الْخَبَرُ،يَا حَارِثَةُ؟».قَالَ:بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي-يَا رَسُولَ اللَّهِ-هَذَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ يُنَادِي فِي النَّاسِ:أَلاَ لاَ يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ أَحَدٌ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.فَقَالَ:«ذَلِكَ جَبْرَئِيلُ،ادْعُوا لِي عَلِيّاً».فَجَاءَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ لَهُ:«نَادِ فِي النَّاسِ:لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ».
فَجَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَنَادَى فِيهِمْ،فَخَرَجَ النَّاسُ،فَبَادَرُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.
وَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بَيْنَ يَدَيْهِ،مَعَ الرَّايَةِ الْعُظْمَى،وَ كَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ لَمَّا انْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ،جَاءَ وَ دَخَلَ حِصْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ،فَجَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ أَحَاطَ بِحِصْنِهِمْ،فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ [٢] مِنَ الْحِصْنِ يَشْتِمُهُمْ،وَ يَشْتِمُ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى حِمَارٍ،فَاسْتَقْبَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ:«بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي-يَا رَسُولَ اللَّهِ-لاَ تَدْنُ مِنَ الْحِصْنِ».فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«يَا عَلِيُّ،لَعَلَّهُمْ شَتَمُونِي؟إِنَّهُمْ لَوْ قَدْ رَأَوْنِي لَأَذَلَّهُمُ اللَّهُ».ثُمَّ دَنَا رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْ حِصْنِهِمْ،فَقَالَ:«يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَ الْخَنَازِيرِ،وَ عَبْدَةَ الطَّاغُوتِ،أَ تَشْتِمُونِّي؟!إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُهُمْ».
فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ مِنَ الْحِصْنِ،فَقَالَ:وَ اللَّهِ-يَا أَبَا الْقَاسِمِ-مَا كُنْتَ جَهُولاً.فَاسْتَحْيَا رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حَتَّى سَقَطَ الرِّدَاءُ عَنْ ظَهْرِهِ حَيَاءً مِمَّا قَالَ.
وَ كَانَ حَوْلَ الْحِصْنِ نَخْلٌ كَثِيرٌ،فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِيَدِهِ،فَتَبَاعَدَ عَنْهُ،وَ تَفَرَّقَ فِي الْمَفَازَةِ، وَ أَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الْعَسْكَرَ حَوْلَ حِصْنِهِمْ،فَحَاصَرَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ،فَلَمْ يُطْلِعْ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَأْسَهُ،فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ نَزَلَ إِلَيْهِ غَزَّالُ [٣] بْنُ شُمُولِ،فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،تُعْطِينَا مَا أَعْطَيْتَ إِخْوَانَنَا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ؟احْقِنْ دِمَاءَنَا، وَ نُخْلِي لَكَ الْبِلاَدَ وَ مَا فِيهَا،وَ لاَ نَكْتُمُكَ شَيْئاً.فَقَالَ:«لاَ،أَوْ تَنْزِلُونَ عَلَى حُكْمِي».فَرَجَعَ،وَ بَقُوا أَيَّاماً،فَبَكَتِ النِّسَاءُ وَ الصِّبْيَانُ إِلَيْهِمْ،وَ جَزِعُوا جَزَعاً شَدِيداً،فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ الْحِصَارُ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِالرِّجَالِ،فَكُتِّفُوا،وَ كَانُوا سَبْعَ مِائَةٍ [٤]،وَ أَمَرَ بِالنِّسَاءِ،فَعُزِلْنَ.
وَ قَامَتْ الْأَوْسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَقَالُوا:يَا رَسُولَ اللَّهِ،حُلَفَاؤُنَا وَ مَوَالِينَا مِنْ دُونِ النَّاسِ،نَصَرُونَا
[١] حمراء الأسد:موضع على ثمانية أميال من المدينة.«معجم البلدان ٢:٣٠١».
[٢] في المصدر:أسيد،و كذا في المواضع الآتية.
[٣] في«ي»:عزّال.
[٤] في«ي»:تسع مائة.