البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٣٢ - الشورى آيه ٥٠-٤٩
فَانْسَابَتْ بَيْنَ الْغَنَمِ،لاَ يَعْرِفُ الرَّاعِي أَيُّهَا كَانَتْ،وَ لاَ يَعْرِفُ صَاحِبُهَا أَيُّهَا يَذْبَحُ؟ وَ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ عَلِيٍّ لاِبْنِ جُرْمُوزٍ:بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ.فَلِمَ لَمْ يَقْتُلْهُ وَ هُوَ إِمَامٌ،وَ مَنْ تَرَكَ حَدّاً مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ إِلاَّ مِنْ عِلَّةٍ؟ وَ أَخْبِرْنِي عَنْ صَلاَةِ الْفَجْرِ،لِمَ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَ هِيَ مِنْ صَلاَةِ النَّهَارِ،وَ إِنَّمَا يُجْهَرُ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ؟ وَ أَخْبِرْنِي عَنْهُ لِمَ قَتَلَ أَهْلَ صِفِّينَ وَ أَمَرَ بِذَلِكَ مُقْبِلِينَ وَ مُدْبِرِينَ،وَ أَجْهَزَ [١] عَلَى جَرِيحِهِمْ،وَ يَوْمَ الْجَمَلِ غَيَّرَ حُكْمَهُ،لَمْ يَقْتُلْ مِنْ جَرِيحِهِمْ،وَ لاَ مَنْ دَخَلَ دَاراً،وَ لَمْ يُجْهِزْ [٢] عَلَى جَرِيحِهِمْ،وَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ،وَ مَنْ أَلْقَى سَيْفَهُ آمَنَهُ،لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَوَاباً،كَانَ الثَّانِي خَطَأً.
فَقَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«اكْتُبْ».قُلْتُ:وَ مَا أَكْتُبُ؟قَالَ:«أُكْتُبْ:بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،وَ أَنْتَ فَأَلْهَمَكَ اللَّهُ الرُّشْدَ، أَلْقَانِي كِتَابَكَ بِمَا امْتَحَنْتَنَا بِهِ مِنْ تَعَنُّتِكَ،لِتَجِدَ إِلَى الطَّعْنِ سَبِيلاً إِنْ قَصَرْنَا فِيهَا،وَ اللَّهِ يُكَافِئُكَ عَلَى نِيَّتِكَ،فَقَدْ شَرَحْنَا مَسَائِلَكَ،فَأَصْغِ إِلَيْهَا سَمْعَكَ،وَ ذَلِّلْ لَهَا فَهْمَكَ،وَ اشْغَلْ بِهَا قَلْبَكَ،فَقَدْ أَلْزَمْتُكَ الْحُجَّةَ وَ السَّلاَمُ.
سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ: قٰالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتٰابِ ،فَهُوَ آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا،وَ لَمْ يَعْجِزْ سُلَيْمَانُ عَنْ مَعْرِفَةِ مَا عَرَفَ،وَ لَكِنْ أَحَبَّ أَنْ يُعَرِّفَ أُمَّتَهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَنَّهُ الْحُجَّةُ مِنْ بَعْدِهِ،وَ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ سُلَيْمَانَ،أَوْدَعَهُ آصَفَ بِأَمْرِ اللَّهِ،فَفَهَّمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ لِئَلاَّ يُخْتَلَفَ فِي إِمَامَتِهِ وَ دَلاَلَتِهِ،كَمَا فُهِّمَ سُلَيْمَانُ فِي حَيَاةِ دَاوُدَ لِتُعْرَفَ إِمَامَتُهُ وَ نُبُوَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ لِتَأْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَلْقِ.
وَ أَمَّا سُجُودُ يَعْقُوبَ وَ وُلْدِهِ،فَإِنَّ السُّجُودَ لَمْ يَكُنْ لِيُوسُفَ،كَمَا أَنَّ السُّجُودَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ لَمْ يَكُنْ لِآدَمَ،وَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُمْ طَاعَةً لِلَّهِ وَ تَحِيَّةً لِآدَمَ،فَسَجَدَ يَعْقُوبُ وَ وُلْدُهُ شُكْراً لِلَّهِ بِاجْتِمَاعِ شَمْلِهِمْ،أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُ يَقُولُ فِي شُكْرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحٰادِيثِ [٣]إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكَ ،فَإِنَّ الْمُخَاطَبَ فِي ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ لَمْ يَكُنْ فِي شَكٍّ مِمَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ،وَ لَكِنْ قَالَتِ الْجَهَلَةُ:كَيْفَ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيّاً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ؟أَمْ كَيْفَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ بِالاِسْتِغْنَاءِ عَنِ الْمَأْكَلِ وَ الْمَشْرَبِ وَ الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ؟فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكَ تُفْحَصُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْجَهَلَةِ،هَلْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً قَبْلَكَ إِلاَّ وَ هُوَ يَأْكُلُ وَ يَشْرَبُ،وَ يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ،وَ لَكَ بِهِمْ أُسْوَةٌ،وَ إِنَّمَا قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ،وَ لَمْ يَكُنْ،وَ لَكِنْ لِلنَّصَفَةِ،كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّٰهِ عَلَى الْكٰاذِبِينَ [٤]،وَ لَوْ قَالَ:نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لَمْ يَكُونَا يَجُوزَانِ لِلْمُبَاهَلَةِ.
وَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ نَبِيَّهُ مُؤَدٍّ عَنْهُ رِسَالَتَهُ وَ مَا هُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ،وَ كَذَلِكَ عَرَّفَ النَّبِيَّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يَقُولُ؛
[١] في المصدر:أجاز.
[٢] في المصدر:يجز.
[٣] يوسف ١٢:١٠١.
[٤] آل عمران ٣:٦١.