البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤٦ - القصص آيه ٤
وُلْدِ لاَوِي بْنِ يَعْقُوبَ،اسْمُهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ،غُلاَمٌ طُوَالٌ،جَعْدٌ،آدَمُ [١].فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُسَمِّي ابْنَهُ عِمْرَانَ،وَ يُسَمِّي عِمْرَانُ ابْنَهُ مُوسَى».
فَذَكَرَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ [٢]،عَنْ أَبِي بَصِيرٍ،عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،أَنَّهُ قَالَ:«مَا خَرَجَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ حَتَّى خَرَجَ قَبْلَهُ خَمْسُونَ كَذَّاباً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،كُلُّهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ».
«فَبَلَغَ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ يُرْجِفُونَ [٣] بِهِ،وَ يَطْلُبُونَ هَذَا الْغُلاَمَ،وَ قَالَ لَهُ كَهَنَتُهُ وَ سَحَرَتُهُ:إِنَّ هَلاَكَ دِينِكَ وَ قَوْمِكَ عَلَى يَدَيْ هَذَا الْغُلاَمِ الَّذِي يُولَدُ الْعَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.فَوَضَعَ الْقَوَابِلَ عَلَى النِّسَاءِ،وَ قَالَ:لاَ يُولَدُ الْعَامَ غُلاَمٌ إِلاَّ ذُبِحَ.وَ وَضَعَ عَلَى أُمِّ مُوسَى قَابِلَةً،فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ،قَالُوا:إِذَا ذَبَحَ الْغِلْمَانَ،وَ اسْتَحْيَي النِّسَاءَ،هَلَكْنَا،فَلَمْ نَبْقَ،فَتَعَالَوْا لاَ نَقْرَبِ النِّسَاءَ.فَقَالَ عِمْرَانُ أَبُو مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):بَلْ بَاشِرُوهُنَّ،فَإِنَّ أَمْرَ اللَّهِ وَاقِعٌ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، اللَّهُمَّ،مَنْ حَرَّمَهُ فَإِنِّي لاَ أُحَرِّمُهُ،وَ مَنْ تَرَكَهُ فَإِنِّي لاَ أَتْرُكُهُ؛وَ بَاشَرَ أُمَّ مُوسَى،فَحَمَلَتْ بِهِ.فَوَضَعَ عَلَى أُمِّ مُوسَى قَابِلَةً تَحْرُسُهَا،فَإِذَا قَامَتْ قَامَتْ،وَ إِذَا قَعَدَتْ قَعَدَتْ،فَلَمَّا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْمَحَبَّةُ،وَ كَذَلِكَ حُجَجُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ،فَقَالَتْ لَهَا الْقَابِلَةُ:مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ تَصْفَرِّينَ وَ تَذُوبِينَ؟قَالَتْ:لاَ تَلُومِينِي،فَإِنِّي أَخَافُ إِذَا وَلَدْتُ،أُخِذَ وَلَدِي فَذُبِحَ.قَالَتْ:لاَ تَحْزَنِي،فَإِنِّي سَوْفَ أَكْتُمُ عَلَيْكِ.فَلَمْ تُصَدِّقْهَا،فَلَمَّا أَنْ وَلَدَتْ،الْتَفَتَتْ إِلَيْهَا وَ هِيَ مُقْبِلَةٌ،فَقَالَتْ:مَا شَاءَ اللَّهُ.فَقَالَتْ لَهَا:أَ لَمْ أَقُلْ أَنِّي سَوْفَ أَكْتُمُ عَلَيْكِ.ثُمَّ حَمَلَتْهُ فَأَدْخَلَتْهُ الْمِخْدَعَ،وَ أَصْلَحَتْ أَمْرَهُ.ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى الْحَرَسِ،فَقَالَتْ:اِنْصَرِفُوا-وَ كَانُوا عَلَى الْبَابِ-فَإِنَّهُ خَرَجَ دَمٌ مُنْقَطِعٌ.فَانْصَرَفُوا،فَأَرْضَعَتْهُ.
فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ الصَّوْتَ،أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا أَنِ اعْمَلِي التَّابُوتَ،ثُمَّ اجْعَلِيهِ فِيهِ،ثُمَّ أَخْرِجِيهِ لَيْلاً،فَاطْرَحِيهِ فِي نِيلِ مِصْرَ.فَوَضَعَتْهُ فِي التَّابُوتِ،ثُمَّ دَفَعَتْهُ فِي الْيَمِّ،فَجَعَلَ يَرْجِعُ إِلَيْهَا،وَ جَعَلَتْ تَدْفَعُهُ فِي الْغَمْرِ [٤]،وَ إِنَّ الرِّيحَ ضَرَبَتْهُ فَانْطَلَقَتْ بِهِ،فَلَمَّا رَأَتْهُ قَدْ ذَهَبَ بِهِ الْمَاءُ،هَمَّتْ أَنْ تَصِيحَ،فَرَبَطَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهَا».
قَالَ:«وَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ،امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ-وَ هِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ-قَالَتْ لِفِرْعَوْنَ:إِنَّهَا أَيَّامُ الرَّبِيعِ، فَأَخْرِجْنِي وَ اضْرِبْ لِي قُبَّةً عَلَى شَطِّ النِّيلِ،حَتَّى أَتَنَزَّهَ هَذِهِ الْأَيَّامَ.فَضُرِبَ لَهَا قُبَّةٌ عَلَى شَطِّ النِّيلِ،إِذْ أَقْبَلَ التَّابُوتُ يُرِيدُهَا،فَقَالَتْ:أَ مَا تَرَوْنَ مَا أَرَى عَلَى الْمَاءِ؟قَالُوا:إِي وَ اللَّهِ-يَا سَيِّدَتَنَا-إِنَّا لَنَرَى شَيْئاً.فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا،قَامَتْ إِلَى الْمَاءِ،فَتَنَاوَلَتْهُ بِيَدِهَا،وَ كَادَ الْمَاءُ يَغْمُرُهَا،حَتَّى تَصَايَحُوا عَلَيْهَا،فَجَذَبَتْهُ،فَأَخْرَجَتْهُ مِنَ الْمَاءِ،فَأَخَذَتْهُ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهَا،فَإِذَا هُوَ غُلاَمٌ أَجْمَلُ النَّاسِ وَ أَسَرُّهُمْ،فَوَقَعَتْ عَلَيْهَا مِنْهُ مَحَبَّةٌ،فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهَا،وَ قَالَتْ:هَذَا ابْنِي.
فَقَالُوا:إِي وَ اللَّهِ-يَا سَيِّدَتَنَا-مَا لَكِ وَلَدٌ،وَ لاَ لِلْمَلِكِ،فَاتَّخِذِي هَذَا وَلَداً.فَقَامَتْ إِلَى فِرْعَوْنَ،فَقَالَتْ:إِنِّي أَصَبْتُ غُلاَماً طَيِّباً حُلْواً،نَتَّخِذُهُ وَلَداً،فَيَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ،فَلاَ تَقْتُلْهُ.قَالَ:وَ مِنْ أَيْنَ هَذَا الْغُلاَمُ؟قَالَتْ:لاَ وَ اللَّهِ لاَ أَدْرِي،إِلاَّ أَنَّ الْمَاءَ جَاءَ بِهِ،فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضِيَ.
[١] الآدم من الناس:الأسمر.«الصحاح-أدم-٥:١٨٥٩».
[٢] في المصدر زيادة:عن أبي الحسين.
[٣] أرجفوا في الشيء:أي خاضوا فيه.«لسان العرب-رجف-٩:١١٣».
[٤] الغمر:الماء الكثير.«لسان العرب-غمر-٥:٢٩«.