البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٧٠ - الشعراء آيه ٦٣-١٠
ثُمَّ قَالَ لِمُوسَى: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلٰهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ مُوسَى: أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ .قَالَ فِرْعَوْنُ: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّٰادِقِينَ* فَأَلْقىٰ عَصٰاهُ فَإِذٰا هِيَ ثُعْبٰانٌ مُبِينٌ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ جُلَسَاءِ فِرْعَوْنَ إِلاَّ هَرَبَ،وَ دَخَلَ فِرْعَوْنَ مِنَ الرُّعْبِ مَا لَمْ يَمْلِكْ بِهِ نَفْسَهُ فَقَالَ فِرْعَوْنُ:نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ،وَ بِالرَّضَاعِ،إِلاَّ مَا كَفَفْتَهَا عَنِّي،فَكَفَّهَا،ثُمَّ نَزَعَ يَدَهُ،فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ،فَلَمَّا أَخَذَ مُوسَى الْعَصَا رَجَعَتْ إِلَى فِرْعَوْنَ نَفْسُهُ، وَ هَمَّ بِتَصْدِيقِهِ،فَقَامَ إِلَيْهِ هَامَانُ،فَقَالَ لَهُ:بَيْنَمَا أَنْتَ إِلَهٌ تُعْبَدُ،إِذْ صِرْتَ تَابِعاً لِعَبْدٍ! ثُمَّ قَالَ فِرْعَوْنُ لِلْمَلَأِ الَّذِينَ حَوْلَهُ: إِنَّ هٰذٰا لَسٰاحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمٰا ذٰا تَأْمُرُونَ إِلَى قَوْلِهِ: لِمِيقٰاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ .وَ كَانَ فِرْعَوْنُ وَ هَامَانُ قَدْ تَعَلَّمَا السِّحْرَ،وَ إِنَّمَا غَلَبَا النَّاسَ بِالسِّحْرِ، وَ ادَّعَى فِرْعَوْنُ الرُّبُوبِيَّةَ بِالسِّحْرِ،فَلَمَّا أَصْبَحَ بَعَثَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ،مَدَائِنَ مِصْرَ كُلِّهَا،وَ جَمَعُوا أَلْفَ سَاحِرٍ، وَ اخْتَارُوا مِنَ الْأَلْفِ مِائَةً،وَ مِنَ الْمِائَةِ ثَمَانِينَ،فَقَالَ السَّحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ:قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَسْحَرَ مِنَّا،فَإِنْ غَلَبْنَا مُوسَى فَمَا يَكُونُ لَنَا عِنْدَكَ؟قَالَ: إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدِي،أُشَارِكُكُمْ فِي مِلْكِي.قَالُوا:فَإِنْ غَلَبَنَا مُوسَى،وَ أَبْطَلَ سِحْرَنَا،عَلِمْنَا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِ السَّحَرِ،وَ لاَ مِنْ قِبَلِ الْحِيلَةِ،وَ آمَنَّا بِهِ،وَ صَدَّقْنَاهُ.فَقَالَ فِرْعَوْنُ:إِنْ غَلَبَكُمْ مُوسَى،صَدَّقْتُهُ أَنَا أَيْضاً مَعَكُمْ،وَ لَكِنْ أَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ،أَيْ حِيلَتَكُمْ».
قَالَ:«وَ كَانَ مَوْعِدُهُمْ يَوْمَ عِيدٍ لَهُمْ،فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ،جَمَعَ فِرْعَوْنُ الْخَلْقَ،وَ السَّحَرَةَ،وَ كَانَتْ لَهُ قُبَّةٌ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ ثَمَانُونَ ذِرَاعاً،وَ قَدْ كَانَتْ كُسِيتُ بِالْحَدِيدِ وَ الْفَوْلاُذِ الْمَصْقُولِ،فَكَانَتْ إِذَا وَقَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهَا،لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا،مِنْ لَمَعِ الْحَدِيدِ،وَ وَهَجِ الشَّمْسِ،وَ جَاءَ فِرْعَوْنُ وَ هَامَانُ،وَ قَعَدَا عَلَيْهَا يَنْظُرَانِ، وَ أَقْبَلَ مُوسَى يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ،فَقَالَتِ السَّحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ:إِنَّا نَرَى رَجُلاً يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ،وَ لَنْ يَبْلُغَ سِحْرُنَا إِلَى السَّمَاءِ،وَ ضُمِّنَتِ السَّحَرَةُ مَنْ فِي الْأَرْضِ.فَقَالُوا لِمُوسَى: إِمّٰا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمّٰا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [١]قَالَ لَهُمْ مُوسَى: أَلْقُوا مٰا أَنْتُمْ مُلْقُونَ* فَأَلْقَوْا حِبٰالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ فَأَقْبَلْتُ تَضْطَرِبُ،وَ صَالَتْ [٢] مِثْلَ الْحَيَّاتِ،وَ هَاجَتْ، فَقَالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّٰا لَنَحْنُ الْغٰالِبُونَ .فَهَالَ النَّاسَ ذَلِكَ،فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى،فَنُودِيَ: لاٰ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلىٰ* وَ أَلْقِ مٰا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مٰا صَنَعُوا إِنَّمٰا صَنَعُوا كَيْدُ سٰاحِرٍ وَ لاٰ يُفْلِحُ السّٰاحِرُ حَيْثُ أَتىٰ [٣].
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ،فَذَابَتْ فِي الْأَرْضِ مِثْلَ الرَّصَاصِ،ثُمَّ طَلَّعَ رَأْسَهَا،وَ فَتَحَتْ فَاهَا،وَ وَضَعَتْ شِدْقَهَا الْأَعْلَى عَلَى رَأْسِ قُبَّةِ فِرْعَوْنَ،ثُمَّ دَارَتْ،وَ أَرْخَتْ شَفَتَهَا السُّفْلَى،وَ الْتَقَمَتْ عِصِيَّ السَّحَرَةِ،وَ حِبَالَهَا،وَ غَلَبَ كُلَّهُمْ،وَ انْهَزَمَ النَّاسُ حِينَ رَأَوْهَا،وَ عِظَمَهَا،وَ هَوْلَهَا،مِمَّا لَمْ تَرَ الْعَيْنُ،وَ لاَ وَصَفَ الْوَاصِفُونَ مِثْلَهُ قَبْلُ،فَقُتِلَ فِي الْهَزِيمَةِ،مِنْ وَطْءِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً،عَشَرَةُ آلاَفِ رَجُلٍ وَ امْرَأَةٍ وَ صَبِيٍّ،وَ دَارَتْ عَلَى قُبَّةِ فِرْعَوْنَ-قَالَ-فَأَحْدَثَ فِرْعَوْنُ وَ هَامَانُ فِي ثِيَابِهِمَا،وَ شَابَ رَأْسُهُمَا،وَ غُشِيَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَزَعِ.
[١] الأعراف ٧:١١٥.
[٢] صال عليه:إذا استصال و وثب.«الصحاحة صول-٥:١٧٤٦».و في المصدر:صارت.
[٣] طه ٢٠:٦٨ و ٦٩.