البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٢٥ - الأحزاب آيه ٢٢-٩
ذُو نِيَّةٍ وَ بَصِيرَةٍ
وَ الصِّدْقُ مُنْجِي كُلِّ فَائِزٍ
إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُقِيمَ
عَلَيْكَ نَائِحَةَ الْجَنَائِزِ
مِنْ ضَرْبَةٍ نَجْلاَءَ يَبْقَى
صَوْتُهَا بَعْدَ الْهَزَاهِزِ»
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو:مَنْ أَنْتَ؟قَالَ:«أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ،ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ خَتَنُهُ [١]».فَقَالَ:
وَ اللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ كَانَ لِي صَدِيقاً وَ نَدِيماً،وَ إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَقْتُلَكَ،مَا أَمِنَ ابْنُ عَمِّكَ حِينَ بَعَثَكَ إِلَيَّ أَنْ أَخْتَطِفَكَ بِرُمْحِي هَذَا،فَأَتْرُكَكَ شَائِلاً بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ،لاَ حَيَّ وَ لاَ مَيِّتَ! فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«قَدْ عَلِمَ ابْنُ عَمِّي أَنَّكَ إِنْ قَتَلْتَنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ،وَ أَنْتَ فِي النَّارِ،وَ إِنْ قَتَلْتُكَ فَأَنْتَ فِي النَّارِ،وَ أَنَا فِي الْجَنَّةِ».فَقَالَ عَمْرٌو:كِلْتَاهُمَا لَكَ-يَا عَلِيُّ-تِلْكَ إِذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزَى [٢].
قَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«دَعْ هَذَا-يَا عَمْرُو-إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ وَ أَنْتَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ تَقُولُ:لاَ يَعْرِضَنَّ عَلَيَّ أَحَدٌ فِي الْحَرْبِ ثَلاَثَ خِصَالٍ إِلاَّ أَجَبْتُهُ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا،وَ أَنَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ ثَلاَثَ خِصَالٍ،فَأَجِبْنِي إِلَى وَاحِدَةٍ».
قَالَ:هَاتِ،يَا عَلِيُّ.قَالَ:«إِحْدَاهَا:أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ،وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ»قَالَ:نَحِّ عَنِّي هَذَا،هَاتِ الثَّانِيَةَ.
فَقَالَ:«أَنْ تَرْجِعَ،وَ تَرُدَّ هَذَا الْجَيْشَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَإِنَّ يَكُ صَادِقاً فَأَنْتُمْ أَعْلَى بِهِ عَيْناً،وَ إِنْ يَكُ كَاذِباً كَفَتْكُمْ ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ أَمْرَهُ».فَقَالَ:إِذَنْ لاَ تَتَحَدَّثُ نِسَاءُ قُرَيْشٍ بِذَلِكَ،وَ لاَ تُنْشِدُ الشُّعَرَاءُ فِي أَشْعَارِهَا أَنِّي جَبُنْتُ وَ رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي مِنَ الْحَرْبِ،وَ خَذَلْتُ قَوْماً رَأَّسُونِي عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«فَالثَّالِثَةُ:أَنْ تَنْزِلَ إِلَيَّ،فَإِنَّكَ رَاكِبٌ،وَ أَنَا رَاجِلٌ،حَتَّى أُنَابِذَكَ»فَوَثَبَ عَنْ فَرَسِهِ وَ عَرْقَبَهُ،وَ قَالَ:هَذِهِ خَصْلَةٌ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَداً مِنَ الْعَرَبِ يَسُومُنِي عَلَيْهَا.ثُمَّ بَدَأَ فَضَرَبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ،فَاتَّقَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِالدَّرَقَةِ،فَقَطَعَهَا،وَ ثَبَتَ السَّيْفُ عَلَى رَأْسِهِ،فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«يَا عَمْرُو،أَ مَا كَفَاكَ أَنِّي بَارَزْتُكَ وَ أَنْتَ فَارِسُ الْعَرَبِ حَتَّى اسْتَعَنْتَ عَلَيَّ بِظَهِيرٍ؟!»فَالْتَفَتَ عَمْرٌو إِلَى خَلْفِهِ،فَضَرَبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مُسْرِعاً عَلَى سَاقَيْهِ،فَقَطَعَهُمَا جَمِيعاً،وَ ارْتَفَعَتْ بَيْنَهُمَا عَجَاجَةٌ،فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ:قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.ثُمَّ انْكَشَفَتِ الْعَجَاجَةُ،فَنَظَرُوا،فَإِذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى صَدْرِهِ،قَدْ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَهُ،فَذَبَحَهُ ثُمَّ أَخَذَ رَأْسَهُ،وَ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ الدِّمَاءُ تَسِيلُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ ضَرْبَةِ عَمْرٍو،وَ سَيْفُهُ يَقْطُرُ مِنَ الدَّمِ،وَ هُوَ يَقُولُ،وَ الرَّأْسُ بِيَدِهِ:
«أَنَا عَلِيٌّ وَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
اَلْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْفَتَى مِنَ الْهَرَبِ»
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«يَا عَلِيُّ،مَاكَرْتَهُ؟»قَالَ:«نَعَمْ-يَا رَسُولَ اللَّهِ-اَلْحَرْبُ خَدِيعَةٌ».
وَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الزُّبَيْرَ إِلَى هُبَيْرَةَ بْنِ وَهْبٍ،فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً فَلَقَ هَامَتَهُ،وَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُبَارِزَ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ،فَلَمَّا بَرَزَ إِلَيْهِ ضِرَارٌ انْتَزَعَ لَهُ عُمَرُ سَهْماً،فَقَالَ لَهُ
[١] في«ط»:و حبيبه.
[٢] قسمة ضيزّى:أي جائرة.«لسان العرب-ضيز-٥:٣٦٨».