البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٢٧ - الأحزاب آيه ٢٢-٩
الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَجُوزُ الْخَنْدَقَ،وَ يَصِيرُ إِلَى قُرْبِ قُرَيْشٍ حَيْثُ يَرَاهُمْ،فَلاَ يَزَالُ اللَّيْلَ كُلَّهُ قَائِماً وَحْدَهُ يُصَلِّي،فَإِذَا أَصْبَحَ رَجَعَ إِلَى مَرْكَزِهِ،وَ مَسْجِدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)هُنَاكَ مَعْرُوفٌ،يَأْتِيهِ مَنْ يَعْرِفُهُ فَيُصَلِّي فِيهِ،وَ هُوَ مِنْ مَسْجِدِ الْفَتْحِ إِلَى الْعَقِيقِ أَكْثَرُ مِنْ غَلْوَةِ [١] النُّشَّابِ.
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْ أَصْحَابِهِ الْجَزَعَ لِطُولِ الْحِصَارِ صَعِدَ إِلَى مَسْجِدِ الْفَتْحِ،وَ هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ مَسْجِدُ الْفَتْحِ الْيَوْمَ،فَدَعَا اللَّهَ،وَ نَاجَاهُ فِيمَا وَعْدَهُ،وَ كَانَ مِمَّا دَعَاهُ أَنْ قَالَ:«يَا صَرِيخَ الْمَكْرُوبِينَ،وَ يَا مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ،وَ يَا كَاشِفَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ،أَنْتَ مَوْلاَيَ وَ وَلِيِّي وَ وَلِيُّ آبَائِي الْأَوَّلِينَ،اكْشِفْ عَنَّا غَمَّنَا وَ هَمَّنَا وَ كَرْبَنَا،وَ اكْشِفْ عَنَّا شَرَّ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ بِقُوَّتِكَ،وَ حَوْلِكَ،وَ قُدْرَتِكَ».فَنَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ:«يَا مُحَمَّدُ،إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ مَقَالَتَكَ،وَ أَجَابَ دَعْوَتَكَ،وَ أَمَرَ الدَّبُورَ-وَ هِيَ الرِّيحُ-مَعَ الْمَلاَئِكَةِ أَنْ تَهْزِمَ قُرَيْشاً وَ الْأَحْزَابَ».
وَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ الدَّبُورَ،فَانْهَزَمُوا،وَ قَلَعَتْ أَخْبِيَتَهُمْ،فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ،فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ،وَ كَانَ قَرِيباً مِنْهُ،فَلَمْ يُجِبْهُ،ثُمَّ نَادَاهُ ثَانِياً فَلَمْ يُجِبْهُ،ثُمَّ نَادَاهُ الثَّالِثَةَ،فَقَالَ:
لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.قَالَ:«أَدْعُوكَ فَلاَ تُجِيبُنِي؟»قَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ-بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي-مِنَ الْخَوْفِ،وَ الْبَرْدِ،وَ الْجُوعِ.
فَقَالَ:«ادْخُلْ فِي الْقَوْمِ،وَ ائْتِنِي بِأَخْبَارِهِمْ،وَ لاَ تُحْدِثَنَّ حَدَثاً حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ،فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ عَلَى قُرَيْشٍ،وَ هَزَمَهُمْ».
قَالَ حُذَيْفَةُ:فَمَضَيْتُ وَ أَنَا أَنْتَفِضُ مِنَ الْبَرْدِ،فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا جُزْتُ الْخَنْدَقَ حَتَّى كَأَنِّي فِي حَمَّامٍ، فَقَصَدَتْ خِبَاءً عَظِيماً فَإِذَا نَارٌ تَخْبُوا وَ تَوَقَّدُ،وَ إِذَا خَيْمَةُ فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ دَلَّى خُصْيَتَيْهِ عَلَى النَّارِ وَ هُوَ يَنْتَفِضُ مِنَ شِدَّةِ الْبَرْدِ،وَ يَقُولُ:يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ،إِنْ كُنَّا نُقَاتِلُ أَهْلَ السَّمَاءِ بِزَعْمِ مُحَمَّدٍ فَلاَ طَاقَةَ لَنَا بِأَهْلِ السَّمَاءِ،وَ إِنْ كُنَّا نُقَاتِلُ أَهْلَ الْأَرْضِ فَنَقْدِرُ عَلَيْهِمْ،ثُمَّ قَالَ:لِيَنْظُرْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَى جَلِيسِهِ لاَ يَكُونُ لِمُحَمَّدٍ عَيْنٌ فِيمَا بَيْنَنَا.فَقَالَ حُذَيْفَةُ:
فَبَادَرْتُ أَنَا،فَقُلْتُ لِلَّذِي عَنْ يَمِينِي:مَنْ أَنْتَ؟فَقَالَ:أَنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ.ثُمَّ قُلْتُ لِلَّذِي عَنْ يَسَارِي:مَنْ أَنْتَ؟قَالَ:
أَنَا مُعَاوِيَةُ،وَ إِنَّمَا بَادَرْتُ إِلَى ذَلِكَ لِئَلاَّ يَسْأَلَنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ مَنْ أَنْتَ.
ثُمَّ رَكِبَ أَبُو سُفْيَانَ رَاحِلَتَهُ وَ هِيَ مَعْقُولَةٌ،وَ لَوْلاَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)قَالَ:«لاَ تُحْدِثَنَّ حَدَثاً حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ»لَقَدَرْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ،ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ:يَا أَبَا سُلَيْمَانَ،لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَ أَنَا وَ أَنْتَ عَلَى ضُعَفَاءِ النَّاسِ.ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ:اِرْتَحِلُوا،إِنَّا مُرْتَحِلُونَ،فَنَفَرُوا [٢] مُنْهَزِمِينَ،فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،قَالَ لِأَصْحَابِهِ:«لاَ تَبْرَحُوا».فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ،وَ بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ.
وَ كَانَ أَبُو فَرْقَدٍ [٣] الْكِنَانِيُّ رَمَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ(رَحِمَهُ اللَّهُ)بِسَهْمٍ فِي الْخَنْدَقِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ [٤] فَنَزَفَهُ الدَّمَ،فَقَبَضَ
[١] الغلوة:قدر رمية بسهم.«لسان العرب-غلا-١٥:١٣٢».
[٢] في المصدر:ففرّوا.
[٣] في المصدر:ابن فرقد.
[٤] الأكحل:عرق في اليد.«لسان العرب-كحل-١١:٥٨٨٦».