البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٧١ - سورة ص آيه ٤٤-٤١
فَأَطْعَمَتْهُ ذَلِكَ،لِأَنَّ أَسْنَانَهُ قَدْ تَسَاقَطَتْ،ثُمَّ قَطَعَتْ أَعْوَادا وَ ظَلَّلَتْ بِهَا عَلَى رَأْسِ أَيُّوبَ مِثْلَ الْعَرِيشِ،ثُمَّ دَخَلَتْ الْقَرْيَةَ،فَقَرَّبُوهَا،وَ أَكْرَمُوهَا،فَعَمِلَتْ ذَلِكَ فِي خَمْسَةِ بُيُوتٍ،وَ اتَّخَذَتْ عَشْرَةَ أَقْرَاصٍ.فَلَمَّا رَجَعَتْ أَخْبَرَتْ أَيُّوبَ بِذَلِكَ،وَ قَالَتْ:أَصَبْتُ الْيَوْمَ طَعَاماً كَثِيراً،مِنْ رِزْقِ رَبِّي،فَأَقْعُدُ عِنْدَكَ،فَإِنِّي لاَ أُفَارِقُكَ حَتَّى يَفْرُغَ هَذَا الطَّعَامُ:فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ:جَزَاكِ اللَّهُ خَيْراً-يَا رَحْمَةُ-فَأَنْتَ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّينَ،فَقَالَ:اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ يَنْسَى مَنْ ذَكَرَهُ،وَ لاَ يُخَيِّبُ عَبْداً شَكَرَهُ،وَ لاَ يُضِيعُ [١] مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ،لَهُ الْحُكْمُ،وَ إِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلَّهُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فَأَقْبَلَ نِسَاءُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ،فَقَعَدْنَ ذَاتَ يَوْمٍ بِقُرْبِ عَرِيشِ أَيُّوبَ،-فَشَمِمْنَ رَائِحَتَهُ،فَانْصَرَفْنَ مُسْرِعَاتٍ إِلَى بُيُوتِهِنَّ،وَ أَغْلَقْنَ الْأَبْوَابَ عَنْ رَحْمَةَ،وَ قُلْنَ لِرَحْمَةَ:لاَ تَدْخُلِي بُيُوتَنَا،وَ لَكِنْ نُوَاسِيكِ فِي طَعَامِنَا.فَرَضِيَتْ رَحْمَةُ بِذَلِكَ.
فَبَيْنَمَا رَحْمَةُ ذَاتَ يَوْمٍ رَاجِعَةٌ مِنَ الْقَرْيَةِ إِلَى أَيُّوبَ،وَ إِذَا هِيَ بِإِبْلِيسُ اللَّعِينُ قَدْ عَرَضَ لَهَا فِي صُورَةِ طَبِيبٍ، وَ مَعَهُ آلَةُ الطِّبِّ،وَ قَالَ لِرَحْمَةَ:إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ فِلَسْطِينَ حِينَ سَمِعْتُ بِخَبَرِ زَوْجَكِ أَيُّوبَ،جِئْتُ لِأُدَاوِيَهُ،وَ أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ غَداً،فَأَخْبِرِيهِ بِقِصَّتِي،وَ قُولِي لَهُ يَأْخُذْ عُصْفُوراً فَيَذْبَحُهُ،وَ لاَ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ،وَ يَأْكُلْهُ،وَ يَشْرَبْ عَلَيْهِ قَدَحاً مِنْ خَمْرٍ،وَ يَطْلِي نَفْسَهُ بِالدَّمِ،فَإِنَّ فَرَجَهُ مِنْ ذَلِكَ.قَالَ:فَجَاءَتْ رَحْمَةُ إِلَى أَيُّوبَ فَرْحَانَةً،فَأَعْلَمَتْهُ بِذَلِكَ،فَبَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ،فَقَالَ لَهَا:مَتَى رَأَيْتِ أَنِّي[أَشْرَبُ الْخَمْرَ وَ]آكُلُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ،وَ أَطْلِي نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ الدَّمِ.يَا رَحْمَةُ،بِالْأَمْسِ كُنْتِ رَسُولَةً مِنْ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ،وَ أَنْتِ الْيَوْمَ رَسُولَةٌ مِنْ إِبْلِيسَ اللَّعِينِ؟! فَعَلِمَتْ أَنَّهَا أَخْطَأَتْ،فَاعْتَذَرَتْ إِلَيْهِ وَ لَمْ تَزَلْ تَتَلَطَّفُ بِهِ حَتَّى رَضِيَ عَنْهَا،وَ حَذَّرَهَا أَنْ لاَ تَعُودَ إِلَى مِثْلِهَا».
قَالَ:«فَبَيْنَمَا هِيَ ذَاتَ يَوْمٍ رَاجِعَةٌ مِنَ الْقَرْيَةِ إِلَى أَيُّوبَ،وَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ،فَاعْتَرَضَ لَهَا إِبْلِيسُ اللَّعِينُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ بَهِيِّ الصُّورَةِ،حَسَنِ الْوَجْهِ،عَلَى حِمَارٍ أَحْمَرَ،فَقَالَ اللَّعِينُ لَهَا:كَأَنِّي أَعْرِفُكِ،أَ لَسْتِ رَحْمَةَ بِنْتَ أَفْرَائِيمَ نَبِيِّ اللَّهِ،وَ زَوْجَةَ الْمُبْتَلَى أَيُّوبَ نَبِيِّ اللَّهِ؟قَالَتْ:بَلَى.قَالَ اللَّعِينُ لَهَا:إِنِّي أَعْرِفُكُمْ وَ أَنْتُمْ أَهْلُ غِنَاءٍ وَ ثَرْوَةٍ،فَمَا الَّذِي غَيَّرَ حَالَكُمْ؟فَقَالَتْ لَهُ:إِنَّا بُلِينَا بِذَهَابِ الْمَالِ جَمِيعِهِ،وَ الْوَلَدِ،ثُمَّ الْبَلاَءِ الْأَعْظَمِ مَا نَزَلَ بِصَاحِبِي أَيُّوبَ،فَقَالَ لَهَا الْمَلْعُونُ:لِأَيِّ شَيْءٍ أَصَابَتْكُمْ هَذِهِ الْمَصَائِبُ؟قَالَتْ:لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُجَرِّبُ صَبْرَنَا عَلَى بَلاَئِهِ.قَالَ اللَّعِينُ:
بِئْسَمَا قُلْتَ،وَ لَكِنَّ إِلَهَ السَّمَاءِ هُوَ اللَّهُ،وَ إِلَهَ الْأَرْضِ أَنَا،فَأَرَدْتُكُمْ لِنَفْسِي،فَعَبَدْتُمْ إِلَهَ السَّمَاءِ وَ لَمْ تَعْبُدُونِي،فَفَعَلْتُ بِكُمْ مَا فَعَلْتُ،وَ سَلَبْتُكُمْ أَمْوَالَكُمْ،وَ أَمَتُّ أَوْلاَدَكُمْ وَ عَبِيدَكُمْ وَ مَوَاشِيَكُمْ،فَهَا هِيَ كُلُّهَا عِنْدِي.فَإِنْ أَرَدْتِ ذَلِكِ فَاتَّبِعِينِي حَتَّى أُرِيَكِ أَوْلاَدَكِ،وَ عَبِيدَكِ،وَ مَوَاشِيَكِ،فَإِنَّهُمْ عِنْدِي فِي وَادِي كَذَا وَ كَذَا.
قَالَ:فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ بَقِيَتْ مُتَعَجِّبَةً وَ هِيَ مُتَحَيِّرَةٌ،وَ اتَّبَعَتْهُ غَيْرَ بَعِيدٍ حَتَّى أَوْقَفَهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَادِي، وَ سَحَرَ عَيْنَيْهَا حَتَّى رَأَتْ جَمِيعَ مَا فَقَدَتْهُ هُنَاكَ.فَقَالَ لَهَا:أَنَا صَادِقٌ عِنْدَكِ الْآنَ،أَمْ كَاذِبٌ؟فَقَالَتْ رَحْمَةُ:لاَ أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَيُّوبَ».
قَالَ:«فَرَجَعَتْ إِلَى أَيُّوبَ،فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا رَأَتْهُ جَمِيعِهِ.فَقَالَ أَيُّوبُ:إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ،وَيْحَكِ-يَا رَحْمَةُ-
[١] في المصدر:يضع.