البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٠٧ - الصافّات آيه ٨٣
فَقَالَ الرَّجُلُ لِلْوَالِي:يَا عَبْدَ اللَّهِ،أَ مَا تَعْتَبِرُ بِهَذِهِ الْأَلْطَافِ الَّتِي بِهَا يُصْرَفُ عَنِّي هَذَا الضَّرْبُ-وَيْلَكَ-رُدَّنِي إِلَى الْإِمَامِ،وَ امْتَثِلْ فِي أَمْرِهِ.قَالَ:فَرَدَّهُ الْوَالِي بَعْدُ بَيْنَ يَدَيِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)،فَقَالَ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،عَجَباً لِهَذَا،أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شِيعَتِكُمْ،وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شِيعَتِكُمْ فَهُوَ مِنْ شِيعَةِ إِبْلِيسَ،وَ هُوَ فِي النَّارِ،وَ قَدْ رَأَيْتُ لَهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ لِلْأَنْبِيَاءِ!فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ):قُلْ:«أَوْ لِلْأَوْصِيَاءِ».فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)لِلْوَالِي:«يَا عَبْدَ اللَّهِ،إِنَّهُ كَذَبَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ مِنْ شِيعَتِنَا كَذِبَةً لَوْ عَرَفَهَا ثُمَّ تَعَمَّدَهَا لاَبْتُلِيَ بِجَمِيعِ عَذَابِكَ لَهُ،وَ لَبَقِيَ فِي الْمُطْبَقِ [١] ثَلاَثِينَ سَنَةً،وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَحِمَهُ لِإِطْلاَقِ كَلِمَةٍ عَلَى مَا عَنَى،لاَ عَلَى تَعَمُّدِ كَذِبٍ.وَ أَنْتَ-يَا عَبْدَ اللَّهِ-فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ خَلَّصَهُ مِنْ يَدَيْكَ،خَلِّ عَنْهُ،فَإِنَّهُ مِنْ مَوَالِينَا وَ مُحِبِّينَا،وَ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا».
فَقَالَ الْوَالِي:مَا كَانَ هَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا إِلاَّ سَوَاءً،فَمَا الْفَرْقُ؟قَالَ لَهُ الْإِمَامِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«الْفَرْقُ:أَنَّ شِيعَتَنَا هُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ آثَارَنَا،وَ يُطِيعُونَّا فِي جَمِيعِ أَوَامِرِنَا وَ نَوَاهِينَا،فَأُولَئِكَ مِنْ شِيعَتِنَا،فَأَمَّا مَنْ خَالَفَنَا فِي كَثِيرٍ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَيْسُوا مِنْ شِيعَتِنَا».
قَالَ الْإِمَامُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لِلْوَالِي:«وَ أَنْتَ قَدْ كَذَبْتَ كَذِبَةً لَوْ تَعَمَّدْتَهَا وَ كَذَبْتَهَا لاَبْتَلاَكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِضَرْبِ أَلْفِ سَوْطٍ،وَ سِجْنِ ثَلاَثِينَ سَنَةً فِي الْمُطْبَقِ».فَقَالَ:وَ مَا هِيَ،يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ؟قَالَ:زَعَمْتَ أَنَّكَ رَأَيْتَ لَهُ مُعْجِزَاتٍ،إِنَّ الْمُعْجِزَاتِ لَيْسَتْ لَهُ،إِنَّمَا هِيَ لَنَا،أَظْهَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ إِبَانَةً لِحُجَّتِنَا،وَ إِيضَاحاً لِجَلاَلَتِنَا وَ شَرَفِنَا،وَ لَوْ قُلْتَ:شَاهَدْتُ فِيهِ مُعْجِزَاتٍ.لَمْ أُنْكِرْهُ عَلَيْكَ،أَ لَيْسَ إِحْيَاءُ عِيسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)الْمَيِّتَ مُعْجِزَةً،أَ هِيَ لِلْمَيِّتِ أَمْ لِعِيسَى؟أَ وَ لَيْسَ خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ،فَصَارَ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ مُعْجِزَةً،أَ هِيَ لِلطَّائِرِ،أَوْ لِعِيسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)؟أَ وَ لَيْسَ الَّذِينَ جُعِلُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ مُعْجِزَةً،أَ هِيَ لِلْقِرَدَةِ،أَوْ لِنَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ؟»فَقَالَ الْوَالِي:أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ رَبِّي وَ أَتُوبُ إِلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)لِلرَّجُلِ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«يَا عَبْدَ اللَّهِ،لَسْتَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ مُحِبِّيهِ،إِنَّ شِيعَةَ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):اَلَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ [٢]،وَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ،وَ وَصَفُوهُ بِصِفَاتِهِ،وَ نَزَّهُوهُ عَنْ خِلاَفِ صِفَاتِهِ،وَ صَدَّقُوا مُحَمَّداً فِي أَقْوَالِهِ،وَ صَوَّبُوهُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ،وَ قَالُوا:إِنَّ كَانَ عَلِيّاً بَعْدَهُ سَيِّداً إِمَاماً،وَ قَرْماً [٣]هُمَاماً،لاَ يَعْدِلُهُ مِنْ امَّةِ مُحَمَّدٍ أَحَدٌ،وَ لاَ كُلُّهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا فِي كِفَّةٍ يُوزَنُونَ بِوَزْنِهِ،بَلْ يَرْجَحُ عَلَيْهِمْ كَمَا تَرْجَحُ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ عَلَى الذَّرَّةِ،وَ شِيعَةُ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)هُمُ الَّذِينَ لاَ يُبَالُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِمْ،أَوْ وَقَعُوا عَلَى الْمَوْتِ،وَ شِيعَةُ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)هُمُ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ إِخْوَانَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ،وَ لَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ،وَ هُمُ الَّذِينَ لاَ يَرَاهُمُ اللَّهُ حَيْثُ نَهَاهُمْ،وَ لاَ يَفْقِدُهُمْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ،وَ شِيعَةُ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)هُمُ الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِعَلِيٍّ فِي إِكْرَامِ إِخْوَانِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ.مَا عَنْ قَوْلِي أَقُولُ لَكَ هَذَا،بَلْ أَقُولُهُ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
[١] المطبق:السجن تحت الأرض.«أقرب الموارد ١:٦٩٧».
[٢] البقرة ٢:٨٢.
[٣] القرم من الرجال:السيّد المعظّم.«لسان العرب-قرم-١٢:٤٧٣».