البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٤٧ - الأحزاب آيه ٣٥-٣٣
قَالَ:مَا عَلِمْتُ بِتَخَلُّفِهِمْ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِبْرَامِ الْأَمْرِ،وَ خِفْتُ إِنْ دَفَعْتُ عَنِّي الْأَمْرَ أَنْ يَتَفَاقَمَ إِلَيَّ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ مُرْتَدِّينَ عَنِ الدِّينِ،وَ كَانَ مُمَارَسَتُكُمْ إِلَيَّ-إِنْ أَجَبْتُمْ-أَهْوَنَ مَؤُونَةٍ عَلَى الدِّينِ،وَ أَبْقَى لَهُ مِنْ ضَرْبِ النَّاسِ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فَيَرْجِعُونَ كُفَّاراً،وَ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَسْتَ بِدُونِي فِي الْإِبْقَاءِ عَلَيْهِمْ،وَ عَلَى أَدْيَانِهِمْ.
قَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَجَلْ،وَ لَكِنْ أَخْبِرْنِي عَنِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ هَذَا الْأَمْرَ،بِمَا يَسْتَحِقُّهُ؟فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:بِالنَّصِيحَةِ، وَ الْوَفَاءِ،وَ رَفْعِ الْمُدَاهَنَةِ وَ الْمُحَابَاةِ،وَ حُسْنِ السِّيرَةِ،وَ إِظْهَارِ الْعَدْلِ،وَ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ فَصْلِ الْخِطَابِ،مَعَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَ قِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهَا،وَ إِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ،الْقَرِيبِ وَ الْبَعِيدِ.ثُمَّ سَكَتَ.فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ-يَا أَبَا بَكْرٍ-أَ فِي نَفْسِكَ تَجِدُ هَذِهِ الْخِصَالَ،أَوْ فِيَّ؟قَالَ:بَلْ فِيكَ،يَا أَبَا الْحَسَنِ».
ثُمَّ ذَكَرَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مِمَّا جَاءَ فِيهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ،وَ عَنْ رَسُولِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،إِلَى أَنْ قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ،أَ لِي وَ لِأَهْلِي وَ وُلْدِي آيَةُ التَّطْهِيرِ مِنَ الرِّجْسِ،أَمْ لَكَ،وَ لِأَهْلِ بَيْتِكَ؟قَالَ:بَلْ لَكَ وَ لِأَهْلِ بَيْتِكَ،قَالَ:فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ،أَنَا صَاحِبُ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ أَهْلِي،وَ وُلْدِي يَوْمَ الْكِسَاءِ:اَللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي،إِلَيْكَ لاَ إِلَى النَّارِ،أَمْ أَنْتَ؟قَالَ:بَلْ أَنْتَ،وَ أَهْلُكَ،وَ وُلْدُكَ.
وَ ذَكَرَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)سَبْعِينَ مَنْقَبَةً-ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَ ذِكْرِ السَّبْعِينَ مَنْقَبَةً-:فَلَمْ يَزَلْ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَعُدُّ عَلَيْهِ مَنَاقِبَهُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ دُونَهُ،وَ دُونَ غَيْرِهِ،وَ يَقُولُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:بَلْ أَنْتَ.قَالَ:فَبِهَذَا وَ شِبْهِهِ يُسْتَحَقُّ الْقِيَامُ بِأُمُورِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):فَمَا الَّذِي غَرَّكَ عَنِ اللَّهِ،وَ عَنْ رَسُولِهِ، وَ عَنْ دِينِهِ،وَ أَنْتَ خِلْوٌ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ دِينِهِ؟قَالَ:فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ،وَ قَالَ:صَدَقْتَ-يَا أَبَا الْحَسَنِ-أَنْظِرْنِي يَوْمِي هَذَا،فَأُدَبِّرُ مَا أَنَا فِيهِ،وَ مَا سَمِعْتُ مِنْكَ.قَالَ،:فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):لَكَ ذَلِكَ،يَا أَبَا بَكْرٍ.
فَرَجَعَ مِنْ عِنْدِهِ،وَ خَلاَ بِنَفْسِهِ يَوْمَهُ،وَ لَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ إِلَى اللَّيْلِ،وَ عُمَرُ يَتَرَدَّدُ فِي النَّاسِ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ خَلْوَتِهِ بِعَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَبَاتَ فِي لَيْلَتِهِ،فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي مَنَامِهِ مُتَمَثِّلاً لَهُ فِي مَجْلِسِهِ،فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ،فَوَلَّى وَجْهَهُ،فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،هَلْ أَمَرْتَ بِأَمْرٍ فَلَمْ أَفْعَلْ؟فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَرُدُّ السَّلاَمَ عَلَيْكَ،وَ قَدْ عَادَيْتَ مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ [١]!رُدَّ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ.قَالَ:فَقُلْتُ:مَنْ أَهْلُهُ؟قَالَ:مَنْ عَاتَبَكَ عَلَيْهِ، وَ هُوَ عَلِيٌّ.قَالَ:فَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ-يَا رَسُولَ اللَّهِ-بِأَمْرِكَ.
قَالَ:فَأَصْبَحَ،وَ بَكَى،وَ قَالَ لِعَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):اُبْسُطْ يَدَكَ؛فَبَايَعَهُ،وَ سَلَّمَ إِلَيْهِ الْأَمْرَ،وَ قَالَ لَهُ:نَخْرُجُ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَأُخْبِرُ النَّاسَ بِمَا رَأَيْتُهُ فِي لَيْلَتِي،وَ مَا جَرَى بَيْنِي وَ بَيْنَكَ،فَأُخْرِجُ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَ أُسَلِّمُ عَلَيْكَ بِالْإِمْرَةِ.قَالَ:فَقَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):نَعَمْ.فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مُتَغَيِّراً لَوْنُهُ،فَصَادَفَهُ عُمَرُ،وَ هُوَ فِي طَلَبِهِ، فَقَالَ لَهُ:مَا حَالُكَ،يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ،وَ مَا رَأَى،وَ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ-يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ-أَنْ تَغْتَرَّ بِسِحْرِ بَنِي هَاشِمٍ،فَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ سِحْرٍ مِنْهُمْ.فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى رَدَّهُ عَنْ رَأْيِهِ،وَ صَرَفَهُ عَنْ عَزْمِهِ،وَ رَغَّبَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ،وَ أَمَرَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ،وَ الْقِيَامِ بِهِ».
[١] في المصدر:عاديت اللّه و رسوله و عاديت من والى اللّه و رسوله.