البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢١٥ - باب أن الأئمة(عليهم السلام)يعرفون منطق الطير
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ،قَالَ:حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيُّ،قَالَ:حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ،قَالَ:حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ،قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَنِ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ،فَقَالَ:«إِنَّ لِلْعَرْشِ صِفَاتٍ كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةً، لَهُ فِي كُلِّ سَبَبٍ وُضِعَ فِي الْقُرْآنِ صِفَةً عَلَى حِدَةٍ،فَقَوْلُهُ: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ يَقُولُ:اَلْمُلْكِ الْعَظِيمِ،وَ قَوْلُهُ:
اَلرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ [١] يَقُولُ:عَلَى الْمُلْكِ احْتَوَى،وَ هَذَا مُلْكُ الْكَيْفُوفِيَّةِ فِي الْأَشْيَاءِ.
ثُمَّ الْعَرْشُ فِي الْوَصْلِ مُنْفَرِدٌ عَنِ [٢] الْكُرْسِيِّ،لِأَنَّهُمَا بَابَانِ مِنَ أَكْبَرِ أَبْوَابِ الْغُيُوبِ،وَ هُمَا جَمِيعاً غَيْبَانِ،وَ هُمَا فِي الْغَيْبِ مَقْرُونَانِ،لِأَنَّ الْكُرْسِيَّ هُوَ الْبَابُ الظَّاهِرُ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي مِنْهُ مَطْلَعُ الْبِدَعِ وَ مِنْهُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا،وَ الْعَرْشُ هُوَ الْبَابُ الْبَاطِنُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ عِلْمُ الْكَيْفِ،وَ الْكَوْنِ،وَ الْقَدَرِ،وَ الْحَدِّ وَ الْأَيْنِ،وَ الْمَشِيئَةِ،وَ صِفَةُ الْإِرَادَةِ،وَ عِلْمُ الْأَلْفَاظِ وَ الْحَرَكَاتِ وَ التَّرْكِ،وَ عِلْمِ الْعَوْدِ وَ الْبَدَاءِ [٣]،فَهُمَا فِي الْعِلْمِ بَابَانِ مَقْرُونَانِ،لِأَنَّ مُلْكَ الْعَرْشِ سِوَى مُلْكِ الْكُرْسِيِّ، وَ عِلْمَهُ أَغْيَبُ مِنْ عِلْمِ الْكُرْسِيِّ،فَمِنْ ذَلِكَ قَالَ: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَيْ صِفَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ صِفَةِ الْكُرْسِيِّ،وَ هُمَا فِي ذَلِكَ مَقْرُونَانِ».
قُلْتُ:جُعِلْتُ فِدَاكَ،فَلِمَ صَارَ فِي الْفَضْلِ جَارَ الْكُرْسِيِّ؟قَالَ:«إِنَّهُ صَارَ جَارَهُ،لِأَنَّ فِيهِ عِلْمَ الْكَيْفُوفِيَّةِ،وَ فِيهِ الظَّاهِرُ مِنْ أَبْوَابِ الْبَدَاءُ،وَ أَيْنِيَّتِهَا،وَ حَدُّ رَتْقِهَا وَ فَتْقِهَا.فَهَذَا جَارَانِ،أَحَدُهُمَا حَمَلَ صَاحِبَهُ فِي الصَّرْفِ [٤]،وَ بِمِثْلِ صَرْفِ الْعُلَمَاءِ يَسْتَدِلُّونَ [٥] عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُمَا،لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ،وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ.
فَمِنِ اخْتِلاَفِ صِفَاتِ الْعَرْشِ،أَنَّهُ قَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: رَبِّ الْعَرْشِ عَمّٰا يَصِفُونَ [٦]وَ هُوَ وَصْفُ عَرْشِ الْوَحْدَانِيَّةِ،لِأَنَّ قَوْماً أَشْرَكُوا كَمَا قُلْتُ لَكَ:قَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: رَبِّ الْعَرْشِ رَبِّ الْوَحْدَانِيَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ.وَ قَوْماً وَصَفُوهُ بِيَدَيْنِ،فَقَالُوا: يَدُ اللّٰهِ مَغْلُولَةٌ [٧]وَ قَوْماً وَصَفُوهُ بِالرِّجْلَيْنِ،فَقَالُوا:وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،فَمِنْهَا ارْتَقَى إِلَى السَّمَاءِ.وَ قَوْماً وَصَفُوهُ بِالْأَنَامِلِ،فَقَالُوا:إِنَّ مُحَمَّداً(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)قَالَ:إِنِّي وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ عَلَى قَلْبِي،فَلِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ،قَالَ: رَبِّ الْعَرْشِ عَمّٰا يَصِفُونَ يَقُولُ:رَبِّ الْمَثَلِ الْأَعْلَى عَمَّا بِهِ مَثَّلُوهُ، وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى الَّذِي لاَ يُشْبِهُهُ شَيْءٌ،وَ لاَ يُوصَفُ،وَ لاَ يُتَوَهَّمُ،فَذَلِكَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى.
وَ وَصَفَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوْا مِنَ اللَّهِ فَوَائِدَ الْعِلْمِ،فَوَصَفُوا رَبَّهُمْ بِأَدْنَى الْأَمْثَالِ،وَ شَبَّهُوهُ لِمُشَابَهَةٍ [٨] مِنْهُمْ فِيمَا جَهِلُوا بِهِ،فَلِذَلِكَ قَالَ: وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً [٩]فَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ،وَ لاَ مِثَالٌ [١٠]،وَ لاَ عَدْلٌ،وَ لَهُ الْأَسْمَاءُ
[١] طه ٢٠:٥.
[٢] في المصدر:متفرد عن.
[٣] في المصدر:و البدء.
[٤] في«ي،ط»:الطرف،و في«ج»،و«ط»نسخة بدل:الظرف.
[٥] في المصدر:و يستدلوا.
[٦] الزخرف ٤٣:٨٢.
[٧] المائدة ٥:٦٤.
[٨] في المصدر:بالمتشابه.
[٩] الإسراء ١٧:٨٥.
[١٠] في«ج»و المصدر:و لا مثل.