البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥١٧ - سبأ آيه ١٩-١٥
وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«فَهَلْ يُقْطَعُ عَلَى مَنْ حَجَّ مَكَّةَ،وَ هَلْ يَخَافُ أَهْلُ مَكَّةَ،وَ هَلْ تَذْهَبُ أَمْوَالُهُمْ؟».
قَالَ:بَلَى.قَالَ:«فَمَتَى يَكُونُونَ آمِنِينَ؟بَلْ فِينَا ضَرَبَ اللَّهُ الْأَمْثَالَ فِي الْقُرْآنِ،فَنَحْنُ الْقُرَى الَّتِي بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا،وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.فَمَنْ أَقَرَّ بِفَضْلِنَا حَيْثُ أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَأْتُونَا،فَقَالَ: وَ جَعَلْنٰا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بٰارَكْنٰا فِيهٰا أَيْ جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ شِيعَتِهِمْ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظٰاهِرَةً ،وَ الْقُرَى الظَّاهِرَةُ:اَلرُّسُلُ،وَ النَّقَلَةُ عَنَّا إِلَى شِيعَتِنَا،وَ فُقَهَاءُ شِيعَتِنَا إِلَى شِيعَتِنَا.
وَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَ قَدَّرْنٰا فِيهَا السَّيْرَ ،فَالسَّيْرُ مَثَلٌ لِلْعِلْمِ سِيرُوا فِيهٰا لَيٰالِيَ وَ أَيّٰاماً ،مَثَلٌ لِمَا يَسِيرُ مِنَ الْعِلْمِ فِي اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ عَنَّا إِلَيْهِمْ فِي الْحَلاَلِ،وَ الْحَرَامِ،وَ الْفَرَائِضِ،وَ الْأَحْكَامِ آمِنِينَ فِيهَا إِذَا أَخَذُوا مِنْ مَعْدِنِهَا الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ،آمِنِينَ مِنَ الشَّكِّ وَ الضَّلاَلِ،وَ النَّقَلَةِ مِنَ الْحَرَامِ إِلَى الْحَلاَلِ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا الْعِلْمَ مِمَّنْ وَجَبَ لَهُمُ أَخْذُهُمُ إِيَّاهُ عَنْهُمْ بِالْمَعْرِفَةِ [١]،لِأَنَّهُمْ أَهْلُ مِيرَاثِ الْعِلْمِ مِنْ آدَمَ إِلَى حَيْثُ انْتَهَوْا،ذُرِّيَّةٌ مُصْطَفَاةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ،فَلَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ [٢] إِلَيْكُمْ،بَلْ إِلَيْنَا انْتَهَى،وَ نَحْنُ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ الْمُصْطَفَاةُ،لاَ أَنْتَ،وَ لاَ أَشْبَاهُكَ،يَا حَسَنُ.فَلَوْ قُلْتُ لَكَ حِينَ ادَّعَيْتَ مَا لَيْسَ لَكَ،وَ لَيْسَ إِلَيْكَ:يَا جَاهِلَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ،لَمْ أَقُلْ فِيكَ إِلاَّ مَا عَلِمْتُهُ مِنْكَ، وَ ظَهَرَ لِي عَنْكَ،وَ إِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ بِالتَّفْوِيضِ،فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُفَوِّضِ الْأَمْرَ إِلَى خَلْقِهِ وَهْناً مِنْهُ وَ ضَعْفاً،وَ لاَ أَجْبَرَهُمْ عَلَى مَعَاصِيهِ ظُلْماً».
/٨٧٧٤ _١٢-و
عَنْهُ فِي(الْإِحْتِجَاجِ):أَنَّ الصَّادِقَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ،قَالَ:«مَنْ أَنْتَ؟» قَالَ:أَبُو حَنِيفَةَ.قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«مُفْتِي أَهْلِ الْعِرَاقِ؟»قَالَ:نَعَمْ.قَالَ:«بِمَ تُفْتِيهِمْ؟».قَالَ:بِكِتَابِ اللَّهِ،قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
«وَ إِنَّكَ لَعَالِمٌ بِكِتَابِ اللَّهِ:نَاسِخِهِ،وَ مَنْسُوخِهِ،وَ مُحْكَمِهِ،وَ مُتَشَابِهِهِ؟».قَالَ:نَعَمْ.
قَالَ:«فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ قَدَّرْنٰا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهٰا لَيٰالِيَ وَ أَيّٰاماً آمِنِينَ أَيُّ مَوْضِعٍ هُوَ؟»قَالَ:أَبُو حَنِيفَةَ:هُوَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ.فَالْتَفَتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِلَى جُلَسَائِهِ،وَ قَالَ:«نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ،هَلْ تَسِيرُونَ بَيْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ وَ لاَ تَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ مِنَ الْقَتْلِ،وَ لاَ عَلَى أَمْوَالِكُمْ مِنَ السَّرَقِ؟».فَقَالُوا:اَللَّهُمَّ نَعَمْ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«وَيْحَكَ-يَا أَبَا حَنِيفَةَ-إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقُولُ إِلاَّ حَقّاً،أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:
وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً [٣] ،أَيُّ مَوْضِعٍ هُوَ؟»قَالَ:ذَلِكَ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ.فَالْتَفَتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِلَى جُلَسَائِهِ قَالَ:«نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ،هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ،وَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ دَخَلاَهُ فَلَمْ يَأْمَنَا الْقَتْلَ؟».قَالُوا:اَللَّهُمَّ نَعَمْ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«وَيْحَكَ-يَا أَبَا حَنِيفَةَ-إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقُولُ إِلاَّ حَقّاً».فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:لَيْسَ لِي عِلْمٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنَا صَاحِبُ قِيَاسٍ-وَ سَاقَ حَدِيثاً طَوِيلاً-.
[١] في«ج»:ممن وجب لهم بأخذهم إيّاهم عنهم المغفرة.
[٢] في«ج»و المصدر:الاصطفاء.
[٣] آل عمران ٣:٩٧.