البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٨ - لقمان آيه ١٣-١٢
النَّاسِ عَلَى بَوْلٍ وَ لاَ غَائِطٍ قَطُّ وَ لاَ اغْتِسَالٍ،لِشِدَّةِ تَسَتُّرِهِ وَ تَحَفُّظِهِ فِي أَمْرِهِ،وَ لَمْ يَضْحَكْ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ،وَ لَمْ يَغْضَبْ قَطُّ مَخَافَةَ الْإِثْمِ فِي دِينِهِ،وَ لَمْ يُمَازِحْ إِنْسَاناً قَطُّ،وَ لَمْ يَفْرَحْ بِمَا أُوتِيَهُ مِنَ الدُّنْيَا،وَ لاَ حُزْنٍ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ قَطُّ،وَ قَدْ نَكَحَ مِنَ النِّسَاءِ،وَ وُلِدَ لَهُ الْأَوْلاَدُ الْكَثِيرَةُ،وَ قَدَّمَ أَكْثَرَهُمْ إِفْرَاطاً فَمَا بَكَى عَلَى مَوْتِ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَ لَمْ يَمُرَّ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ أَوْ يَخْتَصِمَانِ إِلاَّ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا،وَ لَمْ يَمْضِ عَنْهُمَا حَتَّى تَحَاجَزَا [١]،وَ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلاً اسْتَحْسَنَهُ مِنْ أَحَدٍ قَطُّ إِلاَّ سَأَلَهُ عَنْ تَفْسِيرِهِ،وَ عَمَّنْ أَخَذَهُ،وَ كَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ الْفُقَهَاءِ وَ الْعُلَمَاءِ،وَ كَانَ يَغِشَى الْقُضَاةَ وَ الْمُلُوكُ وَ السَّلاَطِينَ،فَيَرْثِي لِلْقُضَاةِ بِمَا ابْتُلُوا بِهِ،وَ يَرْحَمُ الْمُلُوكَ وَ السَّلاَطِينَ لِغِرَّتِهِمْ [٢] بِاللَّهِ،وَ طُمَأْنِينَتِهِمْ فِي ذَلِكَ،وَ يَتَعَلَّمُ مَا يَغْلِبُ بِهِ نَفْسَهُ،وَ يُجَاهِدُ بِهِ هَوَاهُ،وَ يَحْتَرِزُ بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ [٣]،وَ كَانَ يُدَاوِي نَفْسَهُ بِالتَّفَكُّرِ وَ الْعِبَرِ، وَ كَانَ لاَ يَظْعَنُ إِلاَّ فِيمَا يَنْفَعُهُ،وَ لاَ يُنْظَرُ إِلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ،فَبِذَلِكَ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ،وَ مُنِحَ الْعِصْمَةَ [٤]».
٩٩-/٨٣٩٩ _٦- الطَّبْرِسِيُّ:بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ،عَنْ حَمَّادٍ،عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،قَالَ: «كَانَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ مَعْمَراً قَبْلَ دَاوُدَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي أَعْوَامٍ كَثِيرَةً،وَ إِنَّهُ أَدْرَكَ أَيَّامَهُ،وَ كَانَ مَعَهُ يَوْمَ قَتَلَ جَالُوتَ،وَ كَانَ طُولُ جَالُوتَ ثَمَانَ مِائَةِ ذِرَاعٍ،وَ طُولُ دَاوُدَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ،فَلَمَّا قَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ رَزَقَهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ،وَ كَانَ لُقْمَانُ مَعَهُ إِلَى أَنْ ابْتُلِيَ بِالْخَطِيئَةِ،وَ إِلَى أَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ،وَ بَعْدَهُ.
وَ كَانَ لُقْمَانُ يَعِظُ ابْنَهُ بَاثَارَ حَتَّى تَفَطَّرَ وَ انْشَقَّ،وَ كَانَ فِيمَا وَعَظَهُ أَنَّهُ قَالَ:يَا بُنَيَّ،مُذْ سَقَطْتَ إِلَى الدُّنْيَا اسْتَدْبَرْتَهَا وَ اسْتَقْبَلْتَ الْآخِرَةَ،فَدَارٌ أَنْتَ إِلَيْهَا تَسِيرُ أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ دَارٍ أَنْتَ عَنْهَا مُتَبَاعِدٌ.
يَا بُنَيَّ،لاَ خَيْرَ فِي الْكَلاَمِ إِلاَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى،وَ إِنَّ صَاحِبَ السُّكُوتِ تَعْلُوهُ السَّكِينَةَ وَ الْوَقَارَ.
يَا بُنَيَّ،جَالِسِ الْعُلَمَاءَ،فَلَوْ وُضِعَ اللَّهُ الْعِلْمَ فِي قَلْبِ كَلْبٌ لأعزه اللَّهُ وَ أَحَبَّهُ.يَا بُنَيَّ،جَالِسِ الْعُلَمَاءَ،وَ زَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتِكَ،وَ لاَ تُجَادِلْهُمْ فَيَمْقُتُوكَ،وَ خُذْ مِنَ الدُّنْيَا بَلاَغاً،وَ لاَ تَرْفُضْهَا فَتَكُونَ عِيَالاً عَلَى النَّاسِ،وَ لاَ تَدْخُلْ فِيهَا دُخُولاً يُضِرُّ بِآخِرَتِكَ،وَ صُمْ صَوْماً يَقْطَعُ شَهْوَتَكَ،وَ لاَ تَصُمْ صَوْماً يَمْنَعُكَ وَ يُضَعِّفُكَ عَنِ الصَّلاَةِ،فَإِنَّ الصَّلاَةَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الصِّيَامِ،وَ الصَّلاَةُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ.
يَا بُنَيَّ،إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ هَلَكَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ،فَاجْعَلْ سَفِينَتَكَ فِيهَا الْإِيمَانَ،وَ اجْعَلْ شِرَاعَهَا التَّوَكُّلَ، وَ اجْعَلْ زَادَكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ،فَإِنْ نَجَوْتَ فَبِرَحْمَةِ اللَّهِ،وَ إِنْ هَلَكْتَ فَبِذُنُوبِكَ.
يَا بُنَيَّ،إِنْ تَأَدَّبْتَ صَغِيراً انْتَفَعْتَ بِهِ كَبِيراً،وَ مَنْ عَنِّي بِالْأَدَبِ اهْتَمَّ بِهِ،وَ مَنِ اهْتَمَّ بِهِ تَكَلَّفَ عَمَلُهُ،وَ مَنْ تَكَلَّفَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ طَلَبُهُ،وَ مَنِ اشْتَدَّ طَلَبُهُ أَدْرَكَ مَنْفَعَتُهُ،فَاتَّخِذْهُ عَادَةً،فَإِنَّكَ تَخَلَّفَ بِهِ فِي سَلَفَكَ،وَ تَنْفَعْ بِهِ خَلْفِكَ، وَ يَرْتَجِيكَ فِيهِ رَاغِبٌ،وَ يَخْشَى صَوْلَتُكَ رَاهِبٌ،وَ إِيَّاكَ وَ الْكَسَلَ عَنْ الْعِلْمِ وَ الطَّلَبِ لِغَيْرِهِ،فَإِنْ غُلِبْتَ عَلَى الدُّنْيَا فَلاَ
[١] في«ط»:تحابّا.
[٢] في المصدر:لعزّتهم.
[٣] في«ط،ج،ي»:و المصدر:السلطان.
[٤] في المصدر:القضيّة.