البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٧٣ - سورة ص آيه ٤٤-٤١
ابتلاك بهذا البلاء الذي لم يبتل به أحد إلاّ من أمر كنت تسره،و لو كنت صادق النية في عبادته لما وقع بك البلاء العظيم.فوقع في قلوبهم أن يجتمعوا عليه و يذبحوه.
فقال أيوب:و عزة ربي إنّه ليعلم أني ما أكلت طعاما إلاّ و يتيما أو ضعيفا يأكل معي،و ما عرض لي أمران كلاهما طاعة لله تعالى،إلاّ أخذت بأشدهما على بدني.أيها القوم،أراكم تغيظوني [١] و توبخوني من غير معرفة،و ما كان هذا جزائي منكم،فإن اللّه تعالى يبتلي من يشاء زيادة في أجره،كما ابتلى سائر النبيين و الصالحين.ثم رفع طرفه إلى السماء،و قال:إلهي و سيدي،أذقني طعم العافية و لو ساعة من النهار،و لا تشمت بي الأعداء،و لا تصرف وجهك الكريم عني،فإني قد أجهدني البلاء،و قد تقطعت أوصالي،و ورمت شفتاي حتّى غطت العليا أنفي، و السفلى ذقني،و قد سقط لحم رأسي،و ما تبين أذني من نفاخ وجهي،و لقد غص من القيح و الصديد جوفي، و نخرت من الدود عظامي،و لقد ملني و جفاني من كان يكرمني فبكى بكاء شديدا.
فلما فرغوا من توبيخه،و هموا أن يقوموا،التفت إليهم شاب حدث السن،كان قد سمع كلامهم،و كان اللّه قد قيضه لهم،فقال الشاب:شوه لكم،عبرتم إلى نبي اللّه فعيرتموه،و لقد تركتم الرأي الصائب بتوبيخكم لأيوب(عليه السلام)،و لقد كان له عليكم من الحقوق ما كان الواجب عليكم أن تقصروا عما قلتموه.ويلكم،أ تدرون من الذي و بختم،أ لم تعلموا أنّه نبي اللّه،اختاره لرسالته،و ائتمنه على وحيه؟!فإن اللّه تعالى لم يطلعكم على أنه سخط عليه،و أن هذا البلاء الذي نزل به قد صغره عندكم،و لقد علمتم أن اللّه تعالى يبتلي النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين،و لا يكون ذلك سخطا و لا هوانا،و لو كان لم يكن نبيّا لكان لا يجمل للأخ أن يعير أخاه عند البلاء،و لا يعاتبه عند المصيبة،و لا يزيده غما إلى غمه،اللّه اللّه في أنفسكم،و لو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة.
ثمّ أقبل على أيوب،و عزاه،و سكن ما به،و أقبل أيوب على الثلاثة،و قال لهم:«إنكم أعجبتكم أنفسكم،فلو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة،و لكن أصبحت اليوم و ليس لي رأي معكم،لأن أهلي قد ملوني و تنكرت معارفي،و هربوا عني أصدقائي،و قطعوني أصحابي،و كفر بي أهل ملتي،و إلاّ لم تكونوا تقولون ما تقولون.سبحان من لو يشاء لفرج عني ما أنا فيه من هذا البلاء الذي لم تقم به الجبال الرواسي.
فقال أيوب:يا ربّ،لو جلست مجلس الحكم منك لأدليت بحجتي.فبعث إليه غمامة سوداء مظلمة فيها رعد،و برق،و صواعق متداركات،ثمّ نودي منها بأكثر من عشرة آلاف صوت:يا أيوب،إن اللّه تعالى يقول لك:
أدلني بحجتك،فقد أقعدتك مقعد الحكم،و ها أنا قريب منك،و لم أزل قريبا دائما.فقال:يا ربّ،إنك تعلم أنّه لم يعرض لي أمران قط كلاهما لك طاعة إلاّ أخذت بأشدهما على نفسي،ألم أحمدك،ألم أشكرك،أ لم أسبحك، و أذكرك،و أكبرك؟فنودي من الغمامة بعشرة آلاف لسان:يا أيوب،من صيرك تعبد اللّه و الناس عنه غافلون، و تحمده و تشكره و الناس عنه لاهون؟تمن على اللّه فيه؟بل المن لله تعالى عليك.فأخذ التراب،و وضعه في فيه،
[١] في«ج،ي،ط»:تعظوني.