البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٣ - المؤمنون آيه ١١-١
كِتَابٍ أَنْزَلْتَهُ،وَ إِنِّي مُصَدِّقَةٌ بِكَلاَمِ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ،وَ إِنَّهُ بَنَى بَيْتَكَ الْعَتِيقَ،فَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذَا الْبَيْتِ،وَ مَنْ بَنَاهُ، وَ بِهَذَا الْمَوْلُودِ الَّذِي فِي أَحْشَائِي،الَّذِي يُكَلِّمُنِي،وَ يُؤْنِسُنِي بِحَدِيثِهِ،وَ أَنَا مُوقِنَةٌ أَنَّهُ أَحَدُ آيَاتِكَ وَ دَلاَئِلِكَ،لَمَّا يَسَّرْتَ عَلَيَّ وِلاَدَتِي.
قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،وَ يَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ:لَمَّا تَكَلَّمَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ،وَ دَعَتْ بِهَذَا الدُّعَاءِ،رَأَيْنَا الْبَيْتَ قَدِ انْفَتَحَ مِنْ ظَهْرِهِ،وَ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ فِيهِ،وَ غَابَتْ عَنْ أَبْصَارِنَا،ثُمَّ عَادَتِ الْفَتْحَةُ،وَ الْتَزَقَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَرُمْنَا أَنْ نَفْتَحَ الْبَابَ،لِيَصِلَ إِلَيْهَا بَعْضُ نِسَائِنَا،فَلَمْ يَنْفَتِحِ الْبَابُ،فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى،وَ بَقِيَتْ فَاطِمَةُ فِي الْبَيْتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ،وَ أَهْلُ مَكَّةَ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ،وَ تَتَحَدَّثُ الْمُخَدَّرَاتُ فِي خُدُورِهِنَّ».
قَالَ:«فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ،انْفَتَحَ الْبَيْتُ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ دَخَلَتْ فِيهِ،فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ، وَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى يَدَيْهَا،ثُمَّ قَالَتْ:مَعَاشِرَ النَّاسِ،إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ اخْتَارَنِي مِنْ خَلْقِهِ،وَ فَضَّلَنِي عَلَى الْمُخْتَارَاتِ مِمَّنْ كُنَّ قَبْلِي،وَ قَدِ اخْتَارَ اللَّهُ آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ،فَإِنَّهَا عَبَدَتِ اللَّهَ سِرّاً فِي مَوْضِعٍ لاَ يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُعْبَدَ فِيهِ إِلاَّ اضْطِرَاراً،وَ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ،حَيْثُ هَانَتْ وَ يُسِّرَتْ عَلَيْهَا وِلاَدَةُ عِيسَى،فَهَزَّتِ الْجِذْعَ الْيَابِسَ مِنَ النَّخْلَةِ فِي فَلاَةٍ مِنَ الْأَرْضِ،حَتَّى تَسَاقَطَ عَلَيْهَا رُطَباً جَنِيّاً،وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَنِي،وَ فَضَّلَنِي عَلَيْهِمَا،وَ عَلَى كُلِّ مَنْ مَضَى قَبْلِي مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ،لِأَنِّي وَلَدْتُ فِي بَيْتِهِ الْعَتِيقِ،وَ بَقِيتُ فِيهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ،آكُلُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَ أَرْزَاقِهَا [١]فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ وَ وَلَدِي عَلَى يَدَيَّ،هَتَفَ بِي هَاتِفٌ،وَ قَالَ:يَا فَاطِمَةُ،سَمِيِّهِ عَلِيّاً،فَأَنَا الْعَلِيُّ الْأَعْلَى،وَ إِنِّي خَلَقْتُهُ مِنْ قُدْرَتِي، وَ عِزِّ جَلاَلِي [٢]،وَ قِسْطِ عَدْلِي،وَ اشْتَقَقْتُ اسْمَهُ مِنِ اسْمِي،وَ أَدَّبْتُهُ بِأَدَبِي،وَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُؤَذِّنُ فَوْقَ بَيْتِي،وَ يَكْسِرُ الْأَصْنَامَ،وَ يَرْمِيهَا عَلَى وَجْهِهَا،وَ يُعَظِّمُنِي،وَ يُمَجِّدُنِي،وَ يُهَلِّلُنِي،وَ هُوَ الْإِمَامُ بَعْدَ حَبِيبِي وَ نَبِيِّي وَ خِيَرَتِي مِنْ خَلْقِي مُحَمَّدٍ رَسُولِي،وَ وَصِيِّي،فَطُوبَى لِمَنْ أَحَبَّهُ وَ نَصْرَهُ،وَ الْوَيْلُ لِمَنْ عَصَاهُ وَ خَذَلَهُ وَ جَحَدَ حَقَّهُ».
قَالَ:«فَلَمَّا رَآهُ أَبُو طَالِبٍ سُرَّ،وَ قَالَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَتِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ-قَالَ-ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَلَمَّا دَخَلَ،اهْتَزَّ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ ضَحِكَ فِي وَجْهِهِ،وَ قَالَ:اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ-قَالَ-ثُمَّ تَنَحْنَحَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَ قَالَ: بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاٰتِهِمْ خٰاشِعُونَ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):قَدْ أَفْلَحُوا بِكَ، وَ قَرَأَ تَمَامَ الْآيَاتِ،إِلَى قَوْلِهِ: أُولٰئِكَ هُمُ الْوٰارِثُونَ* اَلَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَنْتَ وَ اللَّهِ أَمِيرُهُمْ،تَمِيرُهُمْ مِنْ عُلُومِكَ فَيَمْتَارُونَ،وَ أَنْتَ وَ اللَّهِ دَلِيلُهُمُ،وَ بِكَ يَهْتَدُونَ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِفَاطِمَةَ:اِذْهَبِي إِلَى عَمِّهِ حَمْزَةَ،فَبَشِّرِيهِ بِهِ،فَقَالَتْ:فَإِذَا خَرَجْتُ أَنَا،فَمَنْ يُرْوِيهِ؟قَالَ:أَنَا أُرْوِيهِ.فَقَالَتْ فَاطِمَةُ:أَنْتَ تُرْوِيهِ؟قَالَ:نَعَمْ؛فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِسَانَهُ فِي فِيهِ،فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً-قَالَ-فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ.
[١] في المصدر:أوراقها.
[٢] في المصدر:و عزتي و جلالي.