البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٣٦ - الأحزاب آيه ٢٧-٢٦
عَلَى الْخَزْرَجِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا،وَ قَدْ وَهَبْتَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ سَبْعَ مِائَةِ دَارِعٍ،وَ سَبْعَ مِائَةِ [١] حَاسِرٍ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ،وَ لَسْنَا نَحْنُ بِأَقَلَّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ.فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،قَالَ لَهُمْ:«أَ مَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِمْ إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ؟».فَقَالُوا:بَلَى،فَمَنْ هُوَ؟قَالَ:«سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ».قَالُوا:قَدْ رَضِينَا بِحُكْمِهِ،فَأَتَوْا بِهِ فِي مِحَفَّةٍ [٢]،وَ اجْتَمَعَتِ الْأَوْسُ حَوْلَهُ يَقُولُونَ لَهُ:يَا أَبَا عَمْرٍو،اتَّقِ اللَّهَ،وَ أَحْسِنْ فِي حُلَفَائِكَ وَ مَوَالِيكَ،فَقَدْ نَصَرُونَا بِبُعَاثَ،وَ الْحَدَائِقِ [٣]،وَ الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا.فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ،قَالَ:لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لاَ تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ.فَقَالَتْ الْأَوْسُ:وَا قَوْمَاهْ،ذَهَبَتْ وَ اللَّهِ بَنُو قُرَيْظَةَ آخِرَ الدَّهْرِ.وَ بَكَتِ النِّسَاءُ وَ الصِّبْيَانُ إِلَى سَعْدٍ،فَلَمَّا سَكَتُوا،قَالَ لَهُمْ سَعْدٌ:يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ،أَ رَضِيتُمْ بِحُكْمِي فِيكُمْ؟قَالُوا:بَلَى،قَدْ رَضِينَا بِحُكْمِكَ،وَ قَدْ رَجَوْنَا نَصَفَكَ،وَ مَعْرُوفَكَ،وَ حُسْنَ نَظَرِكَ.فَأَعَادَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلَ،فَقَالُوا:بَلَى،يَا أَبَا عَمْرٍو.فَالْتَفَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِجْلاَلاً لَهُ،فَقَالَ:مَا تَرَى، بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي،يَا رَسُولَ اللَّهِ؟قَالَ:«احْكُمْ فِيهِمْ-يَا سَعْدُ-فَقَدْ رَضِيتُ بِحُكْمِكَ فِيهِمْ».فَقَالَ:قَدْ حَكَمْتُ-يَا رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَنْ تُقْتَلَ رِجَالُهُمْ،وَ تُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَ ذَرَارِيُّهُمْ،وَ تُقْسَمَ غَنَائِمُهُمْ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ.فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَقَالَ:«قَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ أَرْقِعَةٍ»ثُمَّ انْفَجَرَ جُرْحُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ،فَمَا زَالَ يُنْزَفُ حَتَّى قَضَى.
وَ سَاقُوا الْأُسَارَى إِلَى الْمَدِينَةِ،وَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِأُخْدُودٍ،فَحُفِرَتْ بِالْبَقِيعِ،فَلَمَّا أَمْسَى،أَمَرَ بِإِخْرَاجِ رَجُلٍ رَجُلٍ،فَكَانَ يَضْرِبُ عُنُقَهُ،فَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ:مَا تَرَى يَصْنَعُ بِهِمْ؟فَقَالَ لَهُ:مَا يَسُوؤُكَ،أَ مَا تَرَى الدَّاعِيَ لاَ يُقْلِعُ،وَ الَّذِي يَذْهَبُ لاَ يَرْجِعُ؟فَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ،وَ الثَّبَاتِ عَلَى دِينِكُمْ.
فَأُخْرِجَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ،مَجْمُوعَةَ يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ،وَ كَانَ جَمِيلاً وَسِيماً،فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَ لَهُ:«يَا كَعْبُ،أَ مَا نَفَعَتْكَ وَصِيَّةُ ابْنِ الْحَوَّاسِ؟!اَلْحِبْرِ الذَّكِيِّ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْكُمْ مِنَ الشَّامِ،فَقَالَ:تَرَكْتُ الْخَمْرَ وَ الْخِنْزِيرَ [٤]،وَ جِئْتُ إِلَى الْبُؤْسِ وَ التُّمُورِ،لِنَبِيٍّ يُبْعَثُ،مَخْرَجُهُ بِمَكَّةَ،وَ مُهَاجَرَتُهُ فِي هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ،يَجْتَزِئُ بِالْكُسَيْرَاتِ وَ التُّمَيْرَاتِ،وَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعُرْيَ،فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ،بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ،يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ،لاَ يُبَالِي مَنْ لاَقَى مِنْكُمْ،يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ مُنْقَطَعَ الْخُفِّ وَ الْحَافِرِ».فَقَالَ:قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ،وَ لَوْلاَ أَنَّ الْيَهُودَ يُعَيِّرُونِّي أَنِّي جَزِعْتُ عِنْدَ الْقَتْلِ لَآمَنْتُ بِكَ،وَ صَدَّقْتُكَ،وَ لَكِنِّي عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ،عَلَيْهِ أَحْيَا،وَ عَلَيْهِ أَمُوتُ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«قَدِّمُوهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ»فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
ثُمَّ قُدِّمَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ،فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«يَا فَاسِقُ،كَيْفَ رَأَيْتَ صُنْعَ اللَّهِ بِكَ؟»فَقَالَ:وَ اللَّهِ -يَا مُحَمَّدُ-مَا أَلُومُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ،وَ لَقَدْ قَلْقَلْتُ [٥] كُلَّ مُقَلْقَلٍ،وَ جَهَدْتُ كُلَّ الْجَهْدِ،وَ لَكِنْ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهُ
[١] في المصدر:ثلاث مائة.
[٢] المحفّة:مركب من مراكب النساء كالهودج،إلاّ أنّها لا تقبّب.«الصحاح-حفف-٤:١٣٤٥».
[٣] بعاث و الحدائق:موضعان عند المدينة،كانت فيهما وقعتان بين الأوس و الخزرج قبل الإسلام،أنظر«الكامل في التاريخ ١:٦٧٦ و ٦٨٠».
[٤] في«ج»:الخمير.
[٥] قلقل الشيء:حرّكه فتحرّك و اضطرب.«لسان العرب-قلل-١١:٥٦٦».