البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٧٥ - سورة ص آيه ٤٤-٤١
أربعة آلاف وكيل،و اجرة كل واحد منهم في كل شهر مائة مثقال من الذهب،و بين يديه اثنا عشر من البنين،و اثنا عشر من البنات،فلما رأت رحمة جميع ذلك سجدت لله تعالى شكرا،و ملكه جميع الشام و أولاده،و أعطاه مثل عمره الماضي.
و ذكر مكالمة رحمة لإبليس زمان بلائه،و ذكر نذره،فاغتم أيوب من ذلك،فأوحى اللّه إليه: وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً أي شمراخا مشتملا عدده على مائة فَاضْرِبْ بِهِ زوجتك رحمة وَ لاٰ تَحْنَثْ في النذر،فأخذ شمراخا،فضربها ضربة واحدة عن يمينه،و روي أن ضربه لها بالشماريخ لما رأى ذؤابتها مقطوعة غضب،و حلف عليها أن يضربها مائة جلدة،فأخبرته أنّه كان سبب قطعها كذا و كذا،فاغتم أيوب(عليه السلام)من ذلك،فأمره اللّه بالضغث حذرا من الحنث،و روي أن اللّه تعالى ردّ على رحمة ذؤابتيها كما كانتا.
و سئل أيوب بعد ما عافاه اللّه:أي شيء كان أشدّ عليك ممّا مر عليك من البلاء؟قال:شماتة الأعداء.
ثمّ إنّه عمر عمرا طويلا،فلما أدركته الوفاة أحضر أولاده،و أوصاهم أن يصنعوا في ماله كما كان يصنع للفقراء و المساكين،ثمّ مات(عليه السلام)،و توفيت امرأته قبله،أو بعده بقليل،و دفن إلى جانب العين التي أذهب اللّه بلاءه بها،و سار أولاده سيرة أبيهم أيوب(عليه السلام)حتى ظهر عليهم ملك يقال له لام بن عاد،فتغلب على بلاد الشام،و على أولاد أيوب،و جعل يؤذي أولاد أيوب،و بعث إلى حزقل [١] بن أيوب-و كان أكبرهم-و قال:إنكم ضيقتم علينا بلاد الشام بكثرة مواشيكم،فأريد أن تعطوني نصف أموالكم،مع العقار و العبيد و الإماء،و إلاّ ما تركتكم على ما أنتم عليه،و أن تزوجوني باختكم التي يقال لها نقية،و قيل:اسمها مؤمنة،و قيل:صالحة،و كانت امرأة حسناء ذات حسن و جمال،إذا مشت كأنها تنحدر من جبل في حذاء مسيل،كأن غرتها البدر المشرق، و جبهة واسعة،و عينان كالنيل،و حاجبان كالقسي المنحنية،و خداها كاللؤلؤ الأحمر يكاد ان يدميهما الهواء،و جيد كأنّه جيد ريم،و روي أنّه كان في بيتهم غلام صغير،و كان إذا نامت على جنب فيقعد الصبيّ و معه اترنجة، فيدحرجها فتعبر من بين خصرها و الأرض،و كانت ذات منطق،أديبة،لبيبة،عجيبة،رحيمة للفقراء و المساكين، فجعل يبعث إليهم بذلك،فيقول:اختاروا أحدها،و إلاّ جئتكم بخيلي و رجلي،و جعلت أولادكم غنيمة لي.
فأجابه حزقل بن أيوب(عليه السلام)،و أرسل إليه رسولا:أما الأموال التي في أيدينا،فليس لأحد فيها حقّ إلا الفقراء و المساكين و الأيتام و الضعفاء و أبناء السبيل،و لست منهم،و إنّما ورثتها من أبينا أيوب،و أمّا أختنا فلست على ديننا حتّى نزوجكها،و أمّا تخويفك لنا بخيلك و رجلك فإنا نتوكل على اللّه،فهو حسبنا و نعم الوكيل.
قال:فلما سمع هذه الرسالة جمع جنوده لحربهم،فعلم بذلك حزقل بن أيوب،فاستشار إخوته بحربه، فقال أخوه بشير:لا أشور عليك بالحرب،فإني أخاف أن يظفر بنا لأنّه قوي،فيأسرنا،و لكن الرأي أن تبعثوا له من المال ما طلبه،و أمّا خطبته أختنا فإنك تداريه بالمواعيد الحسنة و الهدايا لعله يقنع بها.فأبى حزقل،و أحبّ المحاربة،فجمع جيشه،و مضى حتّى التقى الجيشان،فاقتتلا قتالا شديدا،فوقعت الهزيمة على حزقل بن أيوب،
[١] في المصدر:حزقيل.