البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٢٦ - الأحزاب آيه ٢٢-٩
ضِرَارٌ:وَيْحَكَ-يَا بْنَ صُهَاكَ-أَ تَرْمِي فِي مُبَارَزَةٍ؟وَ اللَّهِ لَئِنْ رَمَيْتَنِي لاَ تَرَكْتُ عَدَوِيّاً بِمَكَّةَ إِلاَّ قَتَلْتُهُ.فَانْهَزَمَ عِنْدَ ذَلِكَ عُمَرُ،وَ مَرَّ نَحْوَهُ ضِرَارٌ،وَ أَشَارَ [١] عَلَى رَأْسِهِ بِالْقَنَاةِ،ثُمَّ قَالَ:اِحْفَظْهَا-يَا عُمَرُ-فَإِنِّي آلَيْتُ أَلاَّ أَقْتُلَ قُرَشِيّاً مَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ.فَكَانَ عُمَرُ يَحْفَظُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ مَا وَلِيَ،فَوَلاَّهُ.
فَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يُحَارِبُهُمْ فِي الْخَنْدَقِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً،فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ:
وَيْلَكَ-يَا يَهُودِيُّ-أَيْنَ قَوْمُكَ؟فَصَارَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ إِلَيْهِمْ،فَقَالَ:وَيْلَكُمْ،اخْرُجُوا،فَقَدْ نَابَذَكُمْ مُحَمَّدٌ الْحَرْبَ،فَلاَ أَنْتُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ،وَ لاَ أَنْتُمْ مَعَ قُرَيْشٍ.فَقَالَ كَعْبٌ:لَسْنَا خَارِجِينَ،حَتَّى تُعْطِيَنَا قُرَيْشٌ عَشَرَةً مِنْ أَشْرَافِهِمْ رَهْناً يَكُونُونَ فِي حِصْنِنَا،إِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمَّدٍ لَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى يَرُدَّ مُحَمَّدٌ عَلَيْنَا عَهِدْنَا وَ عَقَدْنَا،فَإِنَّا لاَ نَأْمَنُ أَنْ تَفِرُّ قُرَيْشٍ وَ نَبْقَى نَحْنُ فِي عُقْرِ دَارِنَا،وَ يَغْزُونَا مُحَمَّدٌ،فَيَقْتُلُ رِجَالَنَا،وَ يَسْبِي نِسَاءَنَا وَ ذَرَارِيَّنَا،وَ إِنْ لَمْ نَخْرُجْ لَعَلَّهُ يَرُدُّ عَلَيْنَا عَهْدَنَا.
فَقَالَ لَهُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ:تَطْمَعُ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ،قَدْ نَابَذَتِ الْعَرَبُ مُحَمَّداً الْحَرْبَ،فَلاَ أَنْتُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ،وَ لاَ أَنْتُمْ مَعَ قُرَيْشٍ.
فَقَالَ كَعْبٌ:هَذَا مِنْ شُؤْمِكَ،إِنَّمَا أَنْتَ طَائِرٌ تَطِيرُ مَعَ قُرَيْشٍ غَداً وَ تَتْرُكُنَا فِي عُقْرِ دَارِنَا،وَ يَغْزُونَا مُحَمَّدٌ.
فَقَالَ لَهُ حُيَيٌّ لَكَ عَهْدُ اللَّهِ عَلَيَّ وَ عَهْدُ مُوسَى إِنْ لَمْ تَظْفَرُ قُرَيْشٌ بِمُحَمَّدٍ أَنِّي أَرْجِعُ مَعَكَ إِلَى حِصْنِكَ، يُصِيبُنِي مَا يُصِيبُكَ.
فَقَالَ كَعْبٌ:هُوَ الَّذِي قَدْ قُلْتُهُ لَكَ،إِنَّ أَعْطَتْنَا قُرَيْشٌ رَهْناً يَكُونُونَ عِنْدَنَا،وَ إِلاَّ لَمْ نَخْرُجْ.فَرَجَعَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمُ،فَلَمَّا قَالَ:يَسْأَلُونَ الرَّهْنَ.قَالَ أَبُو سُفْيَانَ:هَذَا-وَ اللَّهِ-أَوَّلُ الْغَدْرِ،قَدْ صَدَقَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ،لاَ حَاجَةَ لَنَا فِي إِخْوَانِ الْقِرَدَةِ وَ الْخَنَازِيرِ.
فَلَمَّا طَالَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الْأَمْرُ،اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ الْحِصَارُ،وَ كَانُوا فِي وَقْتِ بَرْدٍ شَدِيدٍ، وَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ،وَ خَافُوا مِنَ الْيَهُودِ خَوْفاً شَدِيداً،وَ تَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ بِمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ،وَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلاَّ نَافَقَ،إِلاَّ الْقَلِيلَ.وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ:«أَنَّ الْعَرَبَ تَتَحَزَّبُ،وَ يَجِيئُونَّا مِنْ فَوْقُ،وَ تَغْدِرُ الْيَهُودُ وَ نَخَافُهُمْ مِنْ أَسْفَلَ،وَ أَنَّهُ لَيُصِيبُهُمْ جُهْدٌ شَدِيدٌ،وَ لَكِنْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ لِي عَلَيْهِمْ».فَلَمَّا جَاءَتْ قُرَيْشٌ،وَ غَدَرَتِ الْيَهُودُ،قَالَ الْمُنَافِقُونَ:مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً.وَ كَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ لَهُمْ دُورٌ فِي أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ،فَقَالُوا:يَا رَسُولَ اللَّهِ،تَأْذَنُ لَنَا أَنْ نَرْجِعَ إِلَى دُورِنَا فَإِنَّهَا فِي أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ،وَ هِيَ عَوْرَةٌ، وَ نَخَافُ الْيَهُودَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهَا؟وَ قَالَ قَوْمٌ:هَلُمُّوا فَنَهْرَبَ وَ نَصِيرَ فِي الْبَادِيَةِ،وَ نَسْتَجِيرَ بِالْأَعْرَابِ،فَإِنَّ الَّذِي كَانَ يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ كَانَ بَاطِلاً كُلُّهُ.وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْرُسُوا الْمَدِينَةَ بِاللَّيْلِ،وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى الْعَسْكَرِ كُلِّهِ بِاللَّيْلِ يَحْرُسُهُمْ،فَإِنْ تَحَرَّكَ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ بَارَزَهُمْ [٢]،وَ كَانَ أَمِيرُ
[١] في المصدر:و ضربه.
[٢] في المصدر:نابذهم.