البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٩ - لقمان آيه ١٥-١٤
تَغْلِبَ عَلَى الْآخِرَةِ.
يَا بُنَيَّ،مَنْ أَدْرَكَ الْعِلْمَ،فَأَيُّ شَيْءٍ فَاتَهُ؟وَ مَنْ فَاتَهُ الْعِلْمِ فَأَيُّ شَيْءٍ أَدْرَكَ؟يَا بُنَيَّ،إِذَا فَاتَكَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَإِنَّكَ لَمْ تَجِدْ لَهُ تَضْيِيعاً أَشَدَّ مِنْ تَرَكَهُ،وَ لاَ تُمَارِيَنَّ فِيهِ لجوجا،وَ لاَ تُجَادِلَنَّ فَقِيهاً،وَ لاَ تُعَادِيَنَّ سُلْطَاناً،وَ لاَ تُمَاشِيَنَّ ظَالِماً، وَ لاَ تصادقن عَدُوّاً،وَ لاَ تُؤَاخِيَنَّ فَاسِقاً نَطِفاً،وَ لاَ تُصَاحِبَنَّ مُتَّهَماً،وَ اخْزُنْ عِلْمَكَ كَمَا تَخْزُنُ وَرِقَكَ [١].
يَا بُنَيَّ،لاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ،وَ لاَ تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرِحاً،وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتَكَ،إِنْ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتُ لِصَوْتِ الْحَمِيرِ،وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ.
يَا بُنَيَّ،خَفِ اللَّهَ تَعَالَى خَوْفاً لَوْ أَتَيْتَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبِرِّ الثَّقَلَيْنِ خِفْتَ أَنْ يُعَذِّبَكَ،وَ ارْجُ اللَّهَ تَعَالَى رَجَاءً لَوْ وَافَيْتَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِثْمِ الثَّقَلَيْنِ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكَ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ:يَا أَبَتِ،وَ كَيْفَ أُطِيقُ هَذَا وَ إِنَّمَا لِي قَلْبٌ وَاحِدٌ؟ فَقَالَ لُقْمَانُ:يَا بُنَيَّ،لَوِ اسْتُخْرِجَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَ شَقَّ لَوُجِدَ فِيهِ نُورَانِ:نُورٌ لِلْخَوْفِ،وَ نُورٌ لِلرَّجَاءِ،وَ لَوْ وُزِنَا مَا رُجِّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ شَيْئاً وَ لاَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ،فَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يُصَدِّقْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا أَمَرَ اللَّهِ،وَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَ اللَّهِ لَمْ يُصَدِّقْ مَا قَالَ اللَّهُ،فَإِنَّ هَذِهِ الْأَخْلاَقُ يَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ،فَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ إِيمَاناً صَادِقاً يَعْمَلْ لِلَّهِ خَالِصاً،وَ مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ عَمَلاً خَالِصاً نَاصِحاً آمَنَ بِاللَّهِ صَادِقاً،وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ تَعَالَى خَافَهُ،وَ مَنْ خَافَهُ فَقَدْ أَحَبَّهُ،وَ مَنْ أَحَبَّهُ اتَّبَعَ أَمْرَهُ،وَ مَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ اسْتَوْجَبَ جَنَّتَهُ وَ مَرْضَاتَهُ،وَ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ رِضْوَانَ اللَّهِ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ،وَ مَنْ خَانَ اللَّهَ اسْتَوْجَبَ سَخَطَهُ وَ عَذَابِهِ،نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَ عَذَابِهِ وَ خِزْيَهُ وَ نَكَالَهُ.
يَا بُنَيَّ،لاَ تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا،وَ لاَ تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهَا،فَمَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْهَا،أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ نَعِيمَهَا ثَوَاباً لِلْمُطِيعِينَ،وَ لَمْ يَجْعَلْ بَلاَءَهَا عُقُوبَةً لِلْعَاصِينَ؟ يَا بُنَيَّ،مَنْ أَحْيَا نَفْساً فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً،أَيْ مِنْ استنقذها مِنْ قَتْلٍ،أَوْ غَرَقٍ،أَوْ حَرَقٍ،أَوْ هَدَمَ،أَوْ سَبْعٍ،أَوْ كَفَلِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِي،أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ فَقْرٍ إِلَى غِنًى،وَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ ضَلاَلٍ إِلَى هُدًى.
يَا بُنَيَّ،أَقِمِ الصَّلاَةَ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ،وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ،وَ اصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ».
قوله تعالى:
وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلىٰ وَهْنٍ -إلى قوله تعالى- بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [١٤-١٥] /٨٤٠٠ _١-علي بن إبراهيم: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلىٰ وَهْنٍ يعني ضعفا على
[١] في«ط»:نسخة بدل:أرزقك.