البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣١٩ - العنكبوت آيه ٣٥-٢٧
ثُمَّ كَسَرُوا الْبَابَ وَ دَخَلُوا،فَقَالُوا:يَا لُوطُ أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعٰالَمِينَ [١]؟،يَعْنِي عَنِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ -قَالَ-فَوَقَفَ لُوطٌ عَلَى الْبَابِ دُونَ أَضْيَافِهِ،وَ قَالَ:وَ اللَّهِ لاَ أُسْلِمُ أَضْيَافِي إِلَيْكُمْ وَ فِيَّ عِرْقٌ يَضْرِبُ دُونَ أَنْ تَذْهَبَ نَفْسِي،أَوْ لاَ أَقْدِرَ عَلَى شَيْءٍ،وَ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ [٢]،فَتَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ إِلَيْهِ،فَلَطَمَ وَجْهَهُ،وَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ،وَ دَفَعَهُ عَنِ الْبَابِ،فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لُوطٌ: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ -قَالَ-فَرَفَعَ لُوطٌ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ،وَ قَالَ:إِلَهِي خُذْ لِي مِنْ قَوْمِي حَقِّي،وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَثِيراً، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ لِإِسْرَافِيلَ:هَذِهِ الرَّابِعَةُ.
ثُمَّ قَالَ جَبْرَئِيلُ: يٰا لُوطُ إِنّٰا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [٣]فَأَبْشِرْ،وَ لاَ تَحْزَنْ عَلَيْنَا.فَهَجَمَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَ هُمْ يَقُولُونَ: أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعٰالَمِينَ ،أَيْ لاَ تُؤْوِي ضَيْفاً،فَرَأَوْا جَمَالَ الْقَوْمِ وَ حُسْنَ وُجُوهِهِمْ،فَبَادَرُوا نَحْوَهُمْ،فَطَمَسَ اللَّهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ،وَ إِذَا هُمْ عُمْيٌ لاَ يُبْصِرُونَ،وَ صَارَتْ وُجُوهُهُمْ كَالْقَارِ،وَ هُمْ يَدُورُونَ وَ وُجُوهُهُمْ تَضْرِبُ الْحِيطَانَ،فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَ لَقَدْ رٰاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنٰا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذٰابِي وَ نُذُرِ [٤]-قَالَ- وَ إِذَا نَفَرٌ آخَرُونَ قَدْ لَحِقُوا بِهِمْ،وَ نَادَوْهُمْ:إِنْ كُنْتُمْ قَضَيْتُمْ شَهْوَتَكُمْ مِنْهُمْ،فَاخْرُجُوا حَتَّى نَدْخُلَ وَ نَقْضِيَ شَهْوَتَنَا مِنْهُمْ.فَصَاحُوا:يَا قَوْمِ،إِنَّ لُوطاً أَتَى بِقَوْمٍ سَحَرَةٍ،لَقَدْ سَحَرُوا أَعْيُنَنَا،فَادْخُلُوا إِلَيْنَا وَ خُذُوا بِأَيْدِينَا.فَدَخَلُوا وَ أَخْرَجُوهُمْ،وَ قَالُوا:يَا لُوطُ،إِذَا أَصْبَحَ الصُّبْحُ نَأْتِيكَ وَ نُرِيكَ مَا تُحِبُّ؛فَسَكَتَ عَنْهُمْ لُوطٍ حَتَّى خَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ لُوطٌ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لِلْمَلاَئِكَةِ:بِمَاذَا أُرْسِلْتُمْ؟فَأَخْبَرُوهُ بِهَلاَكِ قَوْمِهِ،فَقَالَ:مَتَى ذَلِكَ؟فَقَالَ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [٥].فَقَالَ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):اُخْرُجْ الْآنَ-يَا لُوطُ- فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [٦]،يَعْنِي فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَ لاٰ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ [٧]قُوَابَ إِنَّهُ مُصِيبُهٰا مٰا أَصٰابَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ».
قَالَ:«فَجَمَعَ لُوطٌ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بَنَاتِهِ وَ أَهْلَهُ وَ مَوَاشِيَهُ وَ أَمْتِعَتَهُ،فَأَخْرَجَهُمْ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مِنَ الْمَدِينَةِ،ثُمَّ قَالَ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):يَا لُوطُ قَدْ قَضَى رَبُّكَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ.فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ:إِلَى أَيْنَ تَخْرُجُ-يَا لُوطُ- مِنْ دُورِكَ؟فَأَخْبَرَهَا أَنَّ هَؤُلاَءِ رُسُلُ رَبِّي،جَاءُوا لِهَلاَكِ الْمُدُنِ.فَقَالَتْ:يَا لُوطُ،وَ مَا لِرَبِّكَ مِنَ الْقُدْرَةِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى هَلاَكِ هَؤُلاَءِ الْمَدَائِنِ السَّبْعِ؟!فَمَا اسْتَتَمَّتْ كَلاَمَهَا حَتَّى أَتَاهَا حَجَرٌ مِنْ حِجَارَةٍ السِّجِّيلِ،فَوَقَعَ عَلَى رَأْسِهَا فَأَهْلَكَهَا، وَ قِيلَ:إِنَّهَا بَقِيَتْ مَمْسُوخَةً حَجَراً أَسْوَدَ عِشْرِينَ سَنَةً،ثُمَّ خُسِفَ بِهَا فِي بَطْنِ الْأَرْضِ».
قَالَ:«وَ خَرَجَ لُوطٌ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مِنْ تِلْكَ الْمَدَائِنِ وَ إِذَا بِجَبْرَئِيلَ الْأَمِينَ قَدْ بَسَطَ جَنَاحَ الْغَضَبِ،وَ إِسْرَافِيلَ قَدْ جَمَعَ أَطْرَافَ الْمَدَائِنِ،وَ دَرْدَائِيلَ قَدْ جَعَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ،وَ عِزْرَائِيلَ قَدْ تَهَيَّأَ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ
[١] الحجر ١٥:٧٠.
[٢] هود ١١:٨٠.
[٣] هود ١١:٨١.
[٤] القمر ٥٤:٣٧.
[٥] هود ١١:٨١.
[٦] هود ١١:٨١.
[٧] هود ١١:٨١.