البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٩٤ - النور آيه ٥٥
تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ إِلَيْهِ،وَ قَالَ:يَا نُوحُ،الْآنَ أَسْفَرَ الصُّبْحُ عَنِ اللَّيْلِ بِعَيْنِكَ،حِينَ صَرَّحَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ،وَ صَفَا الْأَمْرُ وَ الْإِيمَانُ مِنَ الْكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً،فَلَوْ أَنِّي أَهْلَكْتُ الْكُفَّارَ،وَ أَبْقَيْتُ مَنْ قَدِ ارْتَدَّ مِنَ الطَّوَائِفِ الَّتِي كَانَتْ آمَنَتْ بِكَ،لَمَا كُنْتُ صَدَقْتُ وَعْدِيَ السَّابِقَ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا التَّوْحِيدَ مِنْ قَوْمِكَ، وَ اعْتَصَمُوا بِحَبْلِ نُبُوَّتِكَ،بِأَنْ أَسْتَخْلِفَهُمْ فِي الْأَرْضِ،وَ أُمَكِّنَ لَهُمْ دِينَهُمْ،وَ أُبَدِّلَ خَوْفَهُمْ بِالْأَمْنِ،لِكَيْ تَخْلُصَ الْعِبَادَةُ لِي بِذَهَابِ الشَّكِّ مِنْ قُلُوبِهِمْ،وَ كَيْفَ يَكُونُ الاِسْتِخْلاَفُ،وَ التَّمْكِينُ،وَ بَذْلُ الْأَمْنِ،مِنِّي لَهُمْ،مَعَ مَا كُنْتُ أَعْلَمُ مِنْ ضَعْفِ يَقِينِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا،وَ خُبْثِ طِينَتِهِمْ،وَ سُوءِ سَرَائِرِهِمْ الَّتِي كَانَتْ نَتَائِجُ النِّفَاقِ،وَ سُنُوحُ [١] الضَّلاَلَةِ؟فَلَوْ أَنَّهُمْ تَنَسَّمُوا [٢] مِنَ الْمُلْكِ الَّذِي أُوتِيَ الْمُؤْمِنِينَ وَقْتَ الاِسْتِخْلاَفِ،إِذَا أَهْلَكْتُ أَعْدَاءَهُمْ،لَنَشِقُوا رَوَائِحَ صِفَاتِهِ، وَ لاَستْحَكْمَتْ سَرَائِرُ نِفَاقِهِمْ،وَ تَأَبَّدَتْ حِبَالُ ضَلاَلَةِ قُلُوبِهِمْ،وَ لَكَاشَفُوا إِخْوَانَهُمْ بِالْعَدَاوَةِ،وَ حَارَبُوهُمْ عَلَى طَلَبِ الرِّئَاسَةِ،وَ التَّفَرُّدِ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ،وَ كَيْفَ يَكُونُ التَّمْكِينُ فِي الدِّينِ،وَ انْتِشَارُ الْأَمْرِ فِي الْمُؤْمِنِينَ،مَعَ إِثَارَةِ الْفِتَنِ،وَ إِيقَاعِ الْحُرُوبِ؟كَلاَّ وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنٰا وَ وَحْيِنٰا [٣]».
قَالَ:اَلصَّادِقُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«وَ كَذَلِكَ الْقَائِمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَإِنَّهُ تَمْتَدُّ أَيَّامُ غَيْبَتِهِ،لِيُصَرَّحَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ،وَ يَصِفُوا الْإِيمَانِ مِنَ الْكَدَرِ،بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً مِنَ الشِّيعَةِ الَّذِينَ يُخْشَى عَلَيْهِمْ النِّفَاقُ إِذَا أَحَسُّوا بِالاِسْتِخْلاَفِ وَ التَّمْكِينِ وَ الْأَمْنِ الْمُنْتَشِرِ فِي عَهْدِ الْقَائِمِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)».
قَالَ الْمُفَضَّلُ:فَقُلْتُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،فَإِنَّ هَذِهِ النَّوَاصِبَ تَزْعُمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ،وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانُ،وَ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)؟ فَقَالَ:«لاَ يَهْدِي اللَّهُ قُلُوبَ النَّاصِبَةِ،مَتَى كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مُتَمَكِّناً بِانْتِشَارِ الْأَمْنِ فِي الْأُمَّةِ، وَ ذَهَابِ الْخَوْفِ مِنَ قُلُوبِهَا،وَ ارْتِفَاعِ الشَّكِّ مِنْ صُدُورِهَا،فِي عَهْدِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ،وَ فِي عَهْدِ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،مَعَ ارْتِدَادِ الْمُسْلِمِينَ،وَ الْفِتَنَ الَّتِي تَثُورُ فِي أَيَّامِهِمْ،وَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ تَنْشَبُّ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَ بَيْنَهُمْ-ثُمَّ تَلاَ الصَّادِقُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)- حَتّٰى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جٰاءَهُمْ نَصْرُنٰا [٤].
وَ أَمَّا الْعَبْدُ الصَّالِحُ-أَعْنِي الْخَضِرَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)-فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَا طَوَّلَ عُمُرَهُ لِنُبُوَّةٍ قَدَّرَهَا لَهُ،وَ لاَ لِكِتَابٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ،وَ لاَ لِشَرِيعَةٍ يَنْسَخُ بِهَا شَرِيعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَ لاَ لِإِمَامَةٍ يُلْزِمُ عِبَادَهُ الاِقْتِدَاءِ بِهَا،وَ لاَ لِطَاعَةٍ يَفْرِضُهَا لَهُ،بَلَى،إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يُقَدِّرَ مِنْ عُمُرِ الْقَائِمِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي أَيَّامِ غَيْبَتِهِ مَا يُقَدِّرُ،عَلِمَ مَا يَكُونُ مِنْ إِنْكَارِ عِبَادِهِ مِقْدَارُ ذَلِكَ الْعُمُرِ فِي الطُّولِ،طَوَّلَ عُمُرَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ،مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ، إِلاَّ لِعِلَّةِ الاِسْتِدْلاَلِ بِهِ عَلَى عُمُرِ الْقَائِمِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّةَ الْمُعَانِدِينَ،لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ».
[١] في«ج،ط»:شيوخ.
[٢] تنسّم:تنفّس.«الصحاح-نسم-٥:٢٠٤٠»،و في المصدر:تسنّموا منّي.
[٣] هود ١١:٣٧.
[٤] يوسف ١٢:١١٠.