البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٣٤ - الفرقان آيه ٣٨
بَعْدِي إِلاَّ عَنِّي،وَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ آيَةٌ إِلاَّ وَ أَنَا أَعْرِفُهَا،وَ أَعْرِفُ تَفْسِيرَهَا،وَ فِي أَيِّ مَكَانٍ نَزَلَتْ،مِنْ سَهْلٍ،أَوْ جَبَلٍ،وَ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ،وَ إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً-وَ أَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ-وَ لَكِنْ طُلاَّبُهُ يَسِيرٌ،وَ عَنْ قَلِيلٍ يَنْدَمُونَ لَوْ فَقَدُونِي.
كَانَ مِنْ قِصَّتِهِمْ-يَا أَخَا تَمِيمٍ-أَنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً يَعْبُدُونَ شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ،يُقَالُ لَهَا:شَاهْ دِرَخْتُ،كَانَ يَافِثُ بْنُ نُوحٍ غَرَسَهَا عَلَى شَفِيرِ عَيْنٍ،يُقَالُ لَهَا رُوشَابُ [١]،كَانَتْ أَنْبَتَتْ [٢] لِنُوحٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بَعْدَ الطُّوفَانِ،وَ إِنَّمَا سُمُّوا أَصْحَابَ الرَّسِّ،لِأَنَّهُمْ رَسُّوا [٣] نَبِيَّهُمْ فِي الْأَرْضِ،وَ ذَلِكَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ).
وَ كَانَتْ لَهُمْ اثْنَتَا عَشْرَةَ قَرْيَةً عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ:اَلرَّسُّ،مِنْ بِلاَدِ الْمَشْرِقِ،وَ بِهِمْ سُمِّيَ ذَلِكَ النَّهَرِ،وَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَرْضِ نَهَرٌ أَغْزَرَ مِنْهُ،وَ لاَ أَعْذَبَ مِنْهُ،وَ لاَ قُرًى أَكْثَرَ وَ لاَ أَعْمَرَ مِنْهَا،تُسَمَّى إِحْدَاهُنَّ آبَانَ،وَ الثَّانِيَةُ آذَرَ،وَ الثَّالِثَةُ دِي،وَ الرَّابِعَةُ بَهْمَنَ،وَ الْخَامِسَةُ إِسْفَنْدَارَ،وَ السَّادِسَةُ فَرْوَرْدِينَ،وَ السَّابِعَةُ أُرْدِي بِهِشْتَ،وَ الثَّامِنَةُ خُرْدَادَ، وَ التَّاسِعَةُ مُرْدَادَ،وَ الْعَاشِرَةُ تِيرَ،وَ الْحَادِيَةَ عَشَرَ مِهْرَ،وَ الثَّانِيَةَ عَشَرَ شَهْرِيوَرَ.
وَ كَانَتْ أَعْظَمَ مَدَائِنِهِمْ إِسْفَنْدَارُ،وَ هِيَ الَّتِي يَنْزِلُهَا مَلِكِهِمْ،وَ كَانَ يُسَمَّى:تُرْكُوذَ بْنَ غَابُورَ بْنِ يَارَشَ بْنِ سَاذِنَ [٤] بْنِ نُمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ فِرْعَوْنِ إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ بِهَا الْعَيْنُ وَ الصَّنَوْبَرَةُ،وَ قَدْ غَرَسُوا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِنْهَا حَبَّةً مِنْ طَلْعِ تِلْكَ الصَّنَوْبَرَةِ،وَ أَجْرَوْا إِلَيْهَا نَهَراً مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَ الصَّنَوْبَرَةِ،فَنَبَتَتْ الْحَبَّةُ،وَ صَارَتْ شَجَرَةً عَظِيمَةً،وَ حَرَّمُوا مَاءَ الْعَيْنِ وَ الْأَنْهَارِ،فَلاَ يَشْرَبُونَ مِنْهَا،وَ لاَ أَنْعَامُهُمْ،وَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَتَلُوهُ،وَ يَقُولُونَ:هُوَ حَيَاةُ آلِهَتِنَا،فَلاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ حَيَاتِهَا،وَ يَشْرَبُونَ هُمْ وَ أَنْعَامُهُمْ مِنْ نَهَرِ الرَّسِّ،الَّذِي عَلَيْهِ قُرَاهُمْ.
وَ قَدْ جَعَلُوا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ يَوْماً،فِي كُلِّ قَرْيَةٍ،عِيداً يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُهَا،فَيَضْرِبُونَ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بِهَا كِلَّةٌ [٥] مِنْ حَرِيرٍ،فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الصُّورِ،ثُمَّ يَأْتُونَ بِشَاةٍ وَ بَقَرٍ،فَيَذْبَحُونَهَا قُرْبَاناً لِلشَّجَرَةِ،وَ يُشَعِّلُونَ فِيهَا النِّيرَانَ بِالْحَطَبِ،فَإِذَا سَطَعَ [٦] دُخَانُ تِلْكَ الذَّبَائِحِ وَ قُتَارُهَا [٧] فِي الْهَوَاءِ،وَ حَالَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ،خَرُّوا لِلشَّجَرَةِ سُجَّداً،وَ يَبْكُونَ وَ يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهَا أَنْ تَرْضَى عَنْهُمْ،فَكَانَ الشَّيْطَانُ يَجِيءُ فَيُحَرِّكُ أَغْصَانَهَا،وَ يَصِيحُ مِنْ سَاقِهَا صَيَاحَ الصَّبِيِّ:إِنِّي قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ-عِبَادِي-فَطِيبُوا نَفْساً،وَ قَرُّوا عَيْناً.فَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ،وَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَ يَضْرِبُونَ بِالْمَعَازِفِ،وَ يَأْخُذُونَ الدَّسْتَ بَنْدٍ [٨]،فَيَكُونُونَ عَلَى ذَلِكَ يَوْمَهُمْ وَ لَيْلَتَهُمْ،ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ.
[١] في المصدر:دوشاب،و في«ط»نسخة بدل:روشناب.
[٢] في«ج،ي،ط»:استنبطت،و في المصدر:انبطّت.
[٣] رسّوه في الأرض:دسّوه فيها.«لسان العرب-رسس-٦:٩٨».
[٤] في«ي»:تركود بن غابور بن بأرش بن سازن...و في«ج»:تركوذ بن يارش...و في المصدر:...يارش بن سازن...
[٥] الكلّة:الستر الرّقيق يخاط كالبيت يتوقّى فيه من البقّ.«الصحاح-كلل-٥:١٨١٢».
[٦] في«ج،ي»:سطح.
[٧] القتار:ريح الشواء.«الصحاح-قتر-٢:٧٨٦».
[٨] دستبند:فارسية،نوع من الرقص الجماعي الشبيه بالدبكّة.«المعجم الذهبي:٢٦٨».