البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٠٦ - النمل آيه ٤٤-١٧
بِأَضْعَفِ خَلْقِهِ،وَ هُوَ النَّمْلُ،لَوْ رَامَتْهُ الْبَخَاتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ مَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ».
فلما انتهى سليمان إلى وادي النمل،قالت نملة: يٰا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسٰاكِنَكُمْ لاٰ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمٰانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاٰ يَشْعُرُونَ* فَتَبَسَّمَ ضٰاحِكاً مِنْ قَوْلِهٰا وَ قٰالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ إلى قوله تعالى: فِي عِبٰادِكَ الصّٰالِحِينَ .
و كان سليمان إذا قعد على كرسيه،جاءت جميع الطير التي سخرها اللّه لسليمان،فتظل الكرسيّ و البساط- بجميع من عليه-من الشمس،فغاب عنه الهدهد من بين الطير،فوقعت الشمس من موضعه في حجر سليمان(عليه السلام)،فرفع رأسه، و قال،كما حكى اللّه: مٰا لِيَ لاٰ أَرَى الْهُدْهُدَ إلى قوله تعالى: بِسُلْطٰانٍ مُبِينٍ أي بحجة قوية،فلم يمكث إلاّ قليلا،إذ جاء الهدهد،فقال له سليمان:«أين كنت؟»قال: أَحَطْتُ بِمٰا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ،أي بخبر صحيح إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ،و هذا مما لفظه عام،و معناه خاصّ،لأنّها لم تؤت أشياء كثيرة،منها:الذكر،و اللحية.
ثم قال: وَجَدْتُهٰا وَ قَوْمَهٰا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إلى قوله تعالى: فَهُمْ لاٰ يَهْتَدُونَ ، ثم قال الهدهد: أَلاّٰ يَسْجُدُوا لِلّٰهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمٰاوٰاتِ أي المطر،و في اَلْأَرْضِ النبات.
ثمّ قال سليمان: سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكٰاذِبِينَ إلى قوله تعالى: مٰا ذٰا يَرْجِعُونَ .فقال الهدهد:
إنها في حصن منيع،في سبأ وَ لَهٰا عَرْشٌ عَظِيمٌ أي سرير.
قال سليمان:«الق الكتاب على قبتها»فجاء الهدهد،فألقى الكتاب في حجرها،فارتاعت من ذلك، و جمعت جنودها،و قالت لهم،كما حكى اللّه: يٰا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتٰابٌ كَرِيمٌ أي مختوم، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمٰانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* أَلاّٰ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ أي لا تتكبروا علي.
ثم قالت: يٰا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مٰا كُنْتُ قٰاطِعَةً أَمْراً حَتّٰى تَشْهَدُونِ ،فقالوا لها،كما حكى اللّه:
نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَ الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مٰا ذٰا تَأْمُرِينَ فقالت لهم: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذٰا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهٰا وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهٰا أَذِلَّةً .فقال اللّه عزّ و جلّ: وَ كَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ [١].
ثم قالت:إن كان هذا نبيّا من عند اللّه-كما يدعي-فلا طاقة لنا به،فإن اللّه لا يغلب،و لكن سأبعث إليه بهدية، فإن كان ملكا يميل إلى الدنيا قبلها،و علمت أنّه لا يقدر علينا.فبعثت إليه حقه [٢] فيها جوهرة عظيمة،و قالت للرسول:قل له يثقب هذه الجوهرة بلا حديد،و لا نار.فأتاه الرسول بذلك،فأمر سليمان بعض جنوده من الديدان، فأخذ خيطا في فيه،ثمّ ثقبها،و أخرج الخيط من الجانب الآخر،و قال سليمان لرسولها: فَمٰا آتٰانِيَ اللّٰهُ خَيْرٌ مِمّٰا آتٰاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاٰ قِبَلَ لَهُمْ بِهٰا أي لا طاقة لهم بها، وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهٰا أَذِلَّةً وَ هُمْ صٰاغِرُونَ [٣].
[١] النمل ٢٧:١٨-٣٤.
[٢] الحقّة:وعاء من خشب،و قد تسوّى من العاج.«أقرب الموارد-حقق-١:٢١٥».
[٣] النمل ٢٧:٣٦،٣٧.