البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٢٣ - الأحزاب آيه ٢٢-٩
وَ التُّمَيْرَاتِ،وَ هُوَ الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ،فِي عَيْنَيْهِ الْحُمْرَةُ،وَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ،يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ،لاَ يُبَالِي مَنْ لاَقَى،يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ مُنْقَطَعَ الْخُفِّ وَ الْحَافِرِ،فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ فَلاَ يَهُولَنَّهُ هَؤُلاَءِ وَ جُمَعُهُمْ،وَ لَوْ نَاوَأَتْهُ هَذِهِ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي لَغَلَبَهَا.
فَقَالَ حُيَيُّ:لَيْسَ هَذَا ذَاكَ،ذَاكَ النَّبِيُّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،وَ هَذَا مِنَ الْعَرَبِ،مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ،وَ لاَ يَكُونُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَتْبَاعاً لِوُلْدِ إِسْمَاعِيلَ أَبَداً،لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَهُمْ عَلَى النَّاسِ جَمِيعاً،وَ جَعَلَ فِيهِمْ النُّبُوَّةَ وَ الْمُلْكَ،وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيْنَا مُوسَى أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ،وَ لَيْسَ مَعَ مُحَمَّدٍ آيَةٌ،وَ إِنَّمَا جَمَعَهُمْ جَمْعاً،وَ سَحَرَهُمْ.
وَ يُرِيدُ أَنْ يَغْلِبَهُمُ بِذَلِكَ،فَلَمْ يَزَلْ يُقَلِّبُهُمْ عَنْ رَأْيِهِمْ حَتَّى أَجَابُوهُ،فَقَالَ لَهُمْ:أَخْرِجُوا الْكِتَابَ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ.فَأَخْرَجُوهُ،فَأَخَذَهُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَ مَزَّقَهُ،وَ قَالَ:قَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ،فَتَجَهَّزُوا وَ تَهَيَّأُوا لِلْقِتَالِ.
وَ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)ذَلِكَ،فَغَمَّهُ غَمّاً شَدِيداً.وَ فَزِعَ أَصْحَابُهُ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِسَعْدِ ابْنِ مُعَاذٍ،وَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ،وَ كَانَا مِنَ الْأَوْسِ،وَ كَانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ،فَقَالَ لَهُمَا:«ائْتِيَا بَنِي قُرَيْظَةَ،فَانْظُرَا مَا صَنَعُوا،فَإِنْ كَانُوا نَقَضُوا الْعَهْدَ،فَلاَ تُعْلِمَا أَحَداً إِذَا رَجَعْتُمَا إِلَيَّ،وَ قُولاَ:عَضَلٌ وَ الْقَارَةُ».
فَجَاءَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ،وَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إِلَى بَابِ الْحِصْنِ،فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمَا كَعْبٌ مِنَ الْحِصْنِ،فَشَتَمَ سَعْداً، وَ شَتَمَ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ:إِنَّمَا أَنْتَ ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ،لَتُوَلِّيَنَّ قُرَيْشٌ،وَ لَيُحَاصِرَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ لَيُنْزِلَنَّكَ عَلَى الصُّغُرِ وَ الْقَمَاءَةِ [١]،وَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ،ثُمَّ رَجَعَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَقَالاَ لَهُ:عَضَلٌ وَ الْقَارَةُ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«لُعِنَا،نَحْنُ أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ»وَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عُيُونٌ لِقُرَيْشٍ يَتَجَسَّسُونَ خَبَرَهُ،وَ كَانَتْ عَضَلٌ وَ الْقَارَةُ قَبِيلَتَانِ مِنَ الْعَرَبِ،دَخَلَتَا فِي الْإِسْلاَمِ،ثُمَّ غَدَرَتَا،فَكَانَ إِذَا غَدَرَ أَحَدٌ ضُرِبَ بِهِمَا الْمَثَلُ،فَيُقَالُ:عَضَلٌ وَ الْقَارَةُ.وَ رَجَعَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَ قُرَيْشٍ،وَ أَخْبَرَهُمْ بِنَقْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ الْعَهْدَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَفَرِحَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ جَاءَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ قَبْلَ قُدُومِ قُرَيْشٍ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،قَدْ آمَنْتُ بِاللَّهِ،وَ صَدَّقْتُكَ،وَ كَتَمْتُ إِيمَانِي عَنِ الْكَفَرَةِ،فَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ آتِيَكَ بِنَفْسِي فَأَنْصُرَكَ فَعَلْتُ،وَ إِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أُخَذِّلَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَ قُرَيْشٍ فَعَلْتُ،حَتَّى لاَ يَخْرُجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«خَذِّلْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَ قُرَيْشٍ،فَإِنَّهُ أَوْقَعُ عِنْدِي».قَالَ:أَ فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَقُولَ فِيكَ مَا أُرِيدُ؟قَالَ:
«قُلْ مَا بَدَا لَكَ».
فَجَاءَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ،فَقَالَ لَهُ:تَعْرِفُ مَوَدَّتِي لَكُمْ،وَ نُصْحِي،وَ مَحَبَّتِي أَنْ يَنْصُرَكُمُ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّكُمْ،وَ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ وَافَقَ الْيَهُودَ أَنْ يَدْخُلُوا بَيْنَ عَسْكَرِكُمْ،وَ يَمِيلُوا عَلَيْكُمْ،وَ وَعَدَهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ جَنَاحَهُمْ الَّذِي قَطَعَهُ:بَنِي النَّضِيرِ،وَ قَيْنُقَاعَ،فَلاَ أَرَى أَنْ تَدَعُوهُمْ يَدْخُلُوا عَسْكَرَكُمْ حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْناً تَبْعَثُونَهُمْ إِلَى مَكَّةَ،فَتَأْمَنُوا مَكْرَهُمْ وَ غَدْرَهُمْ.فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ:وَفَّقَكَ اللَّهُ،وَ أَحْسَنَ جَزَاكَ،مِثْلُكَ أَهْدَى النَّصَائِحَ.
[١] الصغر:الذل و الضيم.«أقرب الموارد-صغر-١:٦٤٩».و قمأ الرّجل قماءة:ذلّ و صغر.«لسان العرب-قمأ-١:١٣٤».