البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٢١ - الأحزاب آيه ٢٢-٩
الْمَسَاحِي وَ الْمَعَاوِلُ،وَ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَأَخَذَ مِعْوَلاً،فَحَفَرَ فِي مَوْضِعٍ الْمُهَاجِرِينَ بِنَفْسِهِ،وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَنْقُلُ التُّرَابَ عَنِ الْحُفْرَةِ،حَتَّى عَرِقَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ أَعْيَا،وَ قَالَ:«لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الْآخِرَةِ،اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ».
فَلَمَّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يَحْفِرُ،اجْتَهَدُوا فِي الْحَفْرِ،وَ نَقَلُوا التُّرَابَ،فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بَكَّرُوا إِلَى الْحَفْرِ،وَ قَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي مَسْجِدِ الْفَتْحِ،فَبَيْنَا الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ،إِذْ عَرَضَ لَهُمْ جَبَلٌ لَمْ تَعْمَلِ الْمَعَاوِلُ فِيهِ،فَبَعَثُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يُعَلِّمُهُ بِذَلِكَ.
قَالَ جَابِرٌ:فَجِئْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ،وَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ،وَ رِدَاؤُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ،وَ قَدْ شَدَّ عَلَى بَطْنِهِ حَجَراً فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّهُ قَدْ عَرَضَ لَنَا جَبَلٌ لَمْ تَعْمَلِ الْمَعَاوِلُ فِيهِ.فَقَامَ مُسْرِعاً حَتَّى جَاءَهُ،ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ،فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَ ذِرَاعَيْهِ،وَ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَ رِجْلَيْهِ،ثُمَّ شَرِبَ،وَ مَجَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فِي فِيهِ،ثُمَّ صَبَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَجَرِ،ثُمَّ أَخَذَ مِعْوَلاً فَضَرَبَ ضَرْبَةً،فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ،فَنَظَرْنَا فِيهَا إِلَى قُصُورِ الشَّامِ،ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى،فَبَرَقَتْ أُخْرَى، فَنَظَرْنَا فِيهَا إِلَى قُصُورِ الْمَدَائِنِ،ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ أُخْرَى،فَنَظَرْنَا فِيهَا إِلَى قُصُورِ الْيَمَنِ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«إِنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ الَّتِي بَرَقَ فِيهَا الْبَرْقُ».ثُمَّ انْهَالَ عَلَيْنَا الْجَبَلُ كَمَا يَنْهَالُ الرَّمْلُ.
فَقَالَ جَابِرٌ:فَعَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مُقْوٍ-أَيْ جَائِعٌ-لِمَا رَأَيْتُ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ،فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،هَلْ لَكَ فِي الْغِذَاءِ؟قَالَ:«مَا عِنْدَكَ،يَا جَابِرُ؟»فَقُلْتُ:عَنَاقٌ [١]،وَ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ.فَقَالَ:«تَقَدَّمْ،وَ أَصْلِحْ مَا عِنْدَكَ»قَالَ جَابِرٌ:فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي،فَأَمَرْتُهَا،فَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ،وَ ذَبَحْتُ الْعَنْزَ،وَ سَلَخْتُهَا،وَ أَمَرْتُهَا أَنْ تَخْبِزَ،وَ تَطْبُخَ، وَ تَشْوِيَ،فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ ذَلِكَ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَقُلْتُ:بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي-يَا رَسُولَ اللَّهِ-قَدْ فَرَغْنَا، فَاحْضُرْ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ،فَقَامَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى شَفِيرِ الْخَنْدَقِ،ثُمَّ قَالَ:«يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ،أَجِيبُوا جَابِراً»قَالَ جَابِرٌ:وَ كَانَ فِي الْخَنْدَقِ سَبْعُ مِائَةِ رَجُلٍ،فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ،ثُمَّ لَمْ يَمُرَّ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ إِلاَّ قَالَ:
«أَجِيبُوا جَابِراً».قَالَ جَابِرٌ:فَتَقَدَّمْتُ،وَ قُلْتُ لِأَهْلِي:قَدْ-وَ اللَّهِ-أَتَاكِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِمَا لاَ قِبَلَ لَكِ بِهِ.
فَقَالَتْ:أَعْلَمْتَهُ أَنْتَ بِمَا عِنْدَنَا؟قُلْتُ:نَعَمْ.قَالَتْ:فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا أَتَى.
قَالَ جَابِرٌ:فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَنَظَرَ فِي الْقِدْرِ،ثُمَّ قَالَ:«اغْرِفِي،وَ أَبْقِي».ثُمَّ نَظَرَ فِي التَّنُّورِ،ثُمَّ قَالَ:«أَخْرِجِي،وَ أَبْقِي»،ثُمَّ دَعَا بَصَفْحَةٍ [٢]،فَثَرَدَ فِيهَا،وَ غَرَفَ،فَقَالَ:«يَا جَابِرُ،أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً».فَأَدْخَلْتُ عَشَرَةً،فَأَكَلُوا حَتَّى تَمَلَّؤُوا [٣]،وَ مَا يُرَى فِي الْقَصْعَةِ إِلاَّ آثَارُ أَصَابِعِهِمْ،ثُمَّ قَالَ:«يَا جَابِرُ،عَلَيَّ بِالذِّرَاعِ».فَأَتَيْتُهُ بِذِرَاعِ، فَأَكَلُوهُ،ثُمَّ قَالَ:«أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً».فَأَدْخَلْتُهُمْ،فَأَكَلُوا حَتَّى تَمَلَّؤُوا [٤]،وَ لَمْ يُرَ فِي الْقَصْعَةِ إِلاَّ آثَارُ أَصَابِعِهِمْ،ثُمَّ قَالَ:«عَلَيَّ بِذِرَاعٍ»فَأَكَلُوا،وَ خَرَجُوا.ثُمَّ قَالَ:«أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً»،فَأَدْخَلْتُهُمْ،فَأَكَلُوا حَتَّى تَمَلَّؤُوا،وَ لَمْ يُرَ فِي الْقَصْعَةِ
[١] العناق:الأنثى من المعز.«لسان العرب-عنق-١٠:٢٧٤».
[٢] الصحفة:إناء كالقصعة المبسوطة.«النهاية ٣:١٣».
[٣] في«ي»:نهلوا.
[٤] في«ط»و المصدر:نهلوا،و كذا في الموضع الآتي.