البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣١٨ - العنكبوت آيه ٣٥-٢٧
شَهَادَاتٍ تَحْصُلُ مِنْ لُوطٍ بِفِسْقِهِمْ،وَ لَعَنْتِهِ عَلَيْهِمْ،ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ،وَ قَالُوا:يَا لُوطُ،قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْنَا اللَّيْلُ،وَ نَحْنُ أَضْيَافُكَ،فَاعْمَلْ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ.فَقَالَ لَهُمْ لُوطٌ:قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ قَوْمِي يَفْسُقُونَ،وَ يَأْتُونَ الذُّكُورَ شَهْوَةً وَ يَتْرُكُونَ النِّسَاءَ،عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ.فَقَالَ جَبْرَئِيلُ لِإِسْرَافِيلَ:هَذِهِ ثَانِيَةٌ.ثُمَّ قَالَ لَهُمْ لُوطٌ:اِنْزِلُوا عَنْ دَوَابِّكُمْ،وَ اجْلِسُوا هَاهُنَا حَتَّى يَشْتَدَّ الظَّلاَمُ،ثُمَّ تَدْخُلُونَ وَ لاَ يَشْعُرْ بِكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ،فَإِنَّهُمْ قَوْمُ سَوْءٍ فَاسِقِينَ،عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ.فَقَالَ جَبْرَئِيلُ لِإِسْرَافِيلَ:هَذِهِ الثَّالِثَةُ.
ثُمَّ مَضَى لُوطٌ-بَعْدَ أَنْ أَسْدَلَ الظَّلاَمُ-بَيْنَ أَيْدِيهِمْ إِلَى مَنْزِلِهِ،وَ الْمَلاَئِكَةُ خَلْفَهُ،حَتَّى دَخَلُوا مَنْزِلَهُ،فَأَغْلَقَ عَلَيْهِمُ الْبَابَ،ثُمَّ دَعَا بِامْرَأَتِهِ،يُقَالُ لَهَا(قُوَابُ)وَ قَالَ لَهَا:يَا هَذِهِ،إِنَّكِ عَصَيْتِ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً،وَ هَؤُلاَءِ أَضْيَافِي قَدْ مَلَؤُوا قَلْبِي خَوْفاً،اكْفِينِي أَمْرَهُمْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَغْفِرَ لَكَ مَا مَضَى.قَالَتْ:نَعَمْ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كٰانَتٰا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبٰادِنٰا صٰالِحَيْنِ فَخٰانَتٰاهُمٰا [١]،وَ لَمْ تَكُنْ خِيَانَتُهُمَا فِي الْفِرَاشِ،لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يَبْتَلِي أَنْبِيَاءَهُ بِذَلِكَ وَ لَكِنْ خِيَانَةَ امْرَأَةِ نُوحٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِقَوْمِهِ:لاَ تَضْرِبُوهُ لِأَنَّهُ مَجْنُونٌ؛وَ كَانَ مَلِكُ قَوْمِهِ رَجُلاً جَبَّاراً قَوِيّاً عَاتِياً،يُقَالُ لَهُ:دوقيلُ [٢] بْنُ عَوِيلِ بْنِ لاَمَكَ بْنِ جُنْحِ بْنِ قَابِيلَ،وَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ،وَ قَعَدَ عَلَى الْأَسِرَّةِ،وَ أَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِصَنْعَةِ الْحَدِيدِ وَ الرَّصَاصِ وَ النُّحَاسِ،وَ أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَ الثِّيَابَ الْمَنْسُوجَةَ بِالذَّهَبِ،وَ كَانَ يَعْبُدُ هُوَ وَ قَوْمُهُ الْأَصْنَامَ الْخَمْسَ:وَدّاً،وَ سُوَاعاً،وَ يَغُوثَ،وَ يَعُوقَ،وَ نَسْراً، وَ هِيَ أَصْنَامُ قَوْمِ إِدْرِيسَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،ثُمَّ اتَّخَذُوا فِي كَثْرَةِ الْأَصْنَامِ حَتَّى صَارَ لَهُمْ أَلْفٌ وَ تِسْعُ مِائَةِ صَنَمٍ عَلَى كَرَاسِيِّ الذَّهَبِ،وَ أَسِرَّةً مِنَ الْفِضَّةِ مَفْرُوشَةً بِأَنْوَاعِ الْفُرُشِ الْفَاخِرَةِ،مُتَوَّجِينَ الْأَصْنَامَ بِتِيجَانٍ مُرَصَّعَةٍ بِالْجَوَاهِرِ وَ اللَّآلِئِ وَ الْيَوَاقِيتِ،وَ لِهَذِهِ الْأَصْنَامِ خَدَمٌ يَخْدُمُونَهَا تَعْظِيماً لَهَا.
وَ خِيَانَةُ امْرَأَةِ لُوطٍ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا رَأَتْ ضَيْفاً نَهَاراً أَدْخَنَتْ،وَ إِذَا أُنْزِلَ لَيْلاً أَوْقَدَتْ،فَعَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ هُنَاكَ ضُيُوفاً، فَلَمَّا كَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ،خَرَجَتْ وَ بِيَدِهَا سِرَاجٌ كَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تُشْعِلَهُ،وَ طَافَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهَا وَ أَهْلِهَا وَ أَخْبَرَتْهُمْ بِجَمَالِ الْقَوْمِ وَ بِحُسْنِهِمْ-قَالَ-فَعَلِمَ لُوطٌ بِذَلِكَ،فَأَغْلَقَ الْبَابَ وَ أَوْثَقَهُ،وَ أَقْبَلَ الْفُسَّاقُ يُهْرَعُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَ مَكَانٍ،وَ يُنَادُونَ،حَتَّى وَقَفُوا عَلَى بَابِ لُوطٍ،فَفَزَّعُوهُ،وَ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَ جٰاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [٣]،أَيْ يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كٰانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ [٤]-قَالَ-فَنَادَاهُمْ لُوطٌ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ قَالَ: يٰا قَوْمِ هٰؤُلاٰءِ بَنٰاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [٥]،يَعْنِي بِالزَّوَاجِ وَ النِّكَاحِ إِنْ آمَنْتُمْ فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ لاٰ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [٦]،يَعْنِي لاَ تَفْضَحُونِي فِي ضِيَافَتِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ [٧]يَا قَوْمِ رَجُلٌ رَشِيدٌ [٨]أَيْ حَلِيمُ،يَأْمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ،وَ يَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ؟فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ عَلِمْتَ مٰا لَنٰا فِي بَنٰاتِكَ مِنْ حَقٍّ [٩]،أَيْ مِنْ حَاجَةٍ،وَ لاَ شَهْوَةَ لَنَا فِيهِنَّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مٰا نُرِيدُ [١٠]،يَعْنِي عَمَلَهُمُ الْخَبِيثَ،وَ هُوَ إِتْيَانُ الذُّكُورِ.
[١] التحريم ٦٦:١٠.
[٢] في«ج»و المصدر:درقيل.
[٣] هود ١١:٧٨.
[٤] هود ١١:٧٨.
[٥] هود ١١:٧٨.
[٦] هود ١١:٧٨.
[٧] هود ١١:٧٨.
[٨] هود ١١:٧٨.
[٩] هود ١١:٧٩.
[١٠] هود ١١:٧٩.