البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٧٢ - سورة ص آيه ٤٤-٤١
أَ مَا تَعْلَمِينَ أَنْ لَيْسَ مَعَ اللَّهِ إِلَهٌ آخَرُ،وَ أَنَّ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ فَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُحْيِيَهُ!قَالَتْ:نَعَمْ.قَالَ أَيُّوبُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):فَلَوْ كُنْتِ عَاقِلَةً مَا أَصْغَيْتِ إِلَى كَلاَمِهِ،[وَ لاَ اتَّبَعْتِيهِ]حَتَّى سَحَرَ عَيْنَيْكِ.فَقَالَتْ رَحْمَةً:يَا نَبِيَّ اللَّهِ،اغْفِرْ لِي هَذِهِ الْخَطِيئَةَ، فَإِنِّي لاَ أَعُودُ إِلَى مِثْلِهَا أَبَداً.فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ:قَدْ نَهَيْتُكِ عَنْ هَذَا اللَّعِينِ مَرَّةً،وَ هَذِهِ ثَانِيَةٌ،فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ لَئِنْ عَافَانِيَ اللَّهُ مِمَّا أَنَا فِيهِ لَأَجْلِدَنَّكِ مِائَةً جَلْدَةٍ عَلَى مَا كَانَ مِنْ مُكَالَمَتِكِ لِإِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ.وَ كَانَتْ رَحْمَةُ تَقُولُ:لَيْتَهُ قَامَ مِنْ بَلاَئِهِ وَ جَلَدَنِي مِائَةً وَ مِائَةٍ».
/٩١٢٠ _١-قال ابن عبّاس:لبث أيوب(عليه السلام)في بلائه ثماني عشرة سنة حتّى لم يبق منه إلاّ عيناه تدوران في رأسه،و لسانه ينطلق به،و قلبه على حالته،و أذناه فإنّه كان يسمع بهما،و كانت تحت لسانه دودة عظيمة سوداء تؤلمه في خروجها من تحت لسانه،فإذا رجعت إلى موضعها يتأوه لذلك،فأوحى اللّه تعالى إليه:أن-يا أيوب قد صبرت على رخائي،فاصبر الآن على بلائي.
قال:و خرجت رحمة ذات يوم في طلب الطعام فلم تقدر على شيء،فرفعت رأسها إلى السماء،و قالت:
إلهنا و سيدنا،ارحم غربتنا و ضعفنا.قال:فسمع ذلك بعض أهل القرية،فقال لها:ادخلي على نساء أهل القرية، فإنهن أرق قلوبا.فأقبلت رحمة،و قرعت باب عجوز،و قالت:أنا رحمة امرأة أيوب،و لقد طفت يومي هذا فلم أجد طعاما،و لقد بلغني جوع شديد.فقالت العجوز:لي إليك حاجة يا رحمة،إني قد زوجت ابنة لي،فهل لك أن تعطيني ظفيرتين من ظفائرك أزين بهما ابنتي،و أعطيك رغيفين؟فقالت لها رحمة:و لا يرضيك مني إلاّ ذلك؟ قالت:نعم.قالت رحمة:احضري لي الرغيفين،فو اللّه لو أردت شعري كله لأعطيتك لطعام أيوب.قال:فجاءت العجوز بالرغيفين و المقص،فقصت ظفيرتين.
و جاءت رحمة بالرغيفين إلى أيوب،فأنكرهما،و قال لها:من أين لك هذا؟فأخبرته بالقصة لما اشتد عليها طلب الطعام،فصاح أيوب صيحة،فقال:إلهي أي ذنب عملته حتّى صرفت وجهك الكريم عني،إلهي الموت أجمل لي ممّا أنا فيه،رب إنّي مسني الضر و أنت أرحم الراحمين فأوحى اللّه تعالى إليه:يا أيوب،لقد سمعت كلامك،و تمنيك الموت في ضرك،و لو مت بغير هذا البلاء لم يكن لك من الأجر و الثواب ما يكون لك مع البلاء، و لأجزينك على صبرك.و أمّا رحمة،فو عزتي و جلالي لارضينها في الجنة فعند ذلك فرح أيوب،و تسلى.
فلما طال على أيوب البلاء،و رأى إبليس اللعين صبره أتى إليه أصحاب له،و كانوا رهبانا في الجبال:
أحدهم اسمه نفير [١] و هو من اليمن،و الآخر اسمه صوتى و هو من فلسطين،و الثالث ملهم [٢] و هو من حمص، و كانوا من تلامذته،و هم حكماء،و كان أيوب هو الذي اصطنعهم،و رفع أقدارهم،و كانوا يأتونه و يسألونه عن حاله، فركبوا بغالا شهبا،و جاءوا حتّى إذا دنوا منه نفرت بغالهم من نتن رائحته(عليه السلام)،فقربوا بعضها إلى بعض،ثم مشوا إليه،و قعدوا عنده،و قالوا:يا أيوب،لو أخبرتنا بذنبك،لعل اللّه تعالى يهبه لنا إذا سألناه،و دعونا إليه،و ما نراه
[١] في«ج»:نقير.
[٢] في المصدر:اسمه سلم.