البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٧٠ - سورة ص آيه ٤٤-٤١
ثُمَّ مَضَتْ وَ وَقَفْتَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ،وَ إِذَا هِيَ بِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ،فَسَأَلُوهَا،وَ قَالُوا لَهَا:أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، أَ لَكِ حَاجَةٌ؟قَالَتْ:نَعَمْ،وَ هِيَ أَنْ تُعِينُونِي عَلَى حَمْلِ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ إِلَى مَزْبَلَةِ كَذَا وَ كَذَا.فَأَقْبَلُوا حَتَّى وَقَفُوا عَلَى أَيُّوبَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ صَبَّرُوهُ عَلَى بَلاَئِهِ،وَ دَعَوْا لَهُ بِالْعَافِيَةِ،وَ احْتَمَلُوهُ بِأَطْرَافِ النِّطْعِ،وَ وَضَعُوهُ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ.وَ كَانَتْ رَحْمَةُ قَدْ جَمَعَتْ فِي الْعَرِيشِ تُرَاباً كَثِيراً،وَ اتَّخَذَتْ مَنَصَّةً مِنْهُ،ثُمَّ قَالَتْ لَهُ:قُمْ-يَا أَيُّوبُ-إِلَى فِرَاشِكَ التُّرَابِ مِنْ بَعْدِ الْفُرُشِ الْمُمَهَّدَةِ،وَ وِسَادِكَ الْحِجَارَةِ مِنْ بَعْدِ الْوَسَائِدِ الْمُنَضَّدَةِ.فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ:أَ لَمْ أَنْهَكِ عَنْ ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا؟فَزَحَفَ أَيُّوبُ،وَ أَلْقَى بِنَفْسِهِ عَلَى ذَلِكَ الرَّمَادِ،وَ هُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ الْعَلِيَّ الْأَعْلَى،وَ يَقُولُ:
سُبْحَانَ الْعَزِيزِ الْأَدْنَى،سُبْحَانَ الرَّفِيعِ الْأَعْلَى،سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى.ثُمَّ عَمَدَتْ رَحْمَةُ إِلَى كِسَاءٍ كَانَ عِنْدَهَا فَجَعَلَتْهُ غِطَاءً،وَ سَتَرَتْ بَابَ الْعَرِيشِ،وَ كَانَتْ تَصْدَعُ بِخِدْمَتِهِ،وَ تَأْتِيهِ بِمَا تَجِدُهُ.
وَ مَضَتْ تَطْلُبُ لَهُ شَيْئاً مِنَ الطَّعَامِ لِتَأْتِيَهُ بِهِ،فَأَقْبَلَتْ إِلَى بَابِ دَارٍ فَسَأَلَتْهُمْ،فَقَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ:
إِلَيْكِ عَنَّا،فَإِنَّ رَبَّ أَيُّوبَ قَدْ سَخِطَ عَلَيْهِ.وَ سَارَتْ إِلَى بَابٍ آخَرَ،وَ قَالُوا لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ،حَتَّى دَارَتِ الْقَرْيَةَ وَ لَمْ يُعْطُوهَا شَيْئاً،فَرَجَعَتْ بَاكِيَةً إِلَى أَيُّوبَ،وَ قَالَتْ لَهُ:إِنَّ الْقَوْمَ طَرَدُونِي،وَ أَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ مِنْ دُونِي.فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ:لاَ بَأْسَ عَلَيْكِ-يَا رَحْمَةُ-إِنْ أَغْلَقُوا أَبْوَابَهُمْ دُونَنَا،فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُغْلِقُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ دُونَنَا،وَ لَكِنْ-يَا رَحْمَةُ-لَعَلَّكِ مَلَلْتِنِي،وَ لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ فِرَاقِي؟فَقَالَتْ رَحْمَةُ:أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ،وَ أَيُّ عُذْرٍ يَكُونُ لِي عِنْدَ اللَّهِ عَلَى فِرَاقِ نَبِيِّهِ؟ حَاشَا،وَ كَلاَّ،وَ لَكِنْ أَحْمِلُكَ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى لَعَلَّهُمْ يَكُونُونَ أَرْحَمَ مِنْ هَؤُلاَءِ».
قَالَ:«فَأَخَذَتْهُ رَحْمَةُ عَلَى النَّطْعِ،فَغُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَجَعِ،فَجَاءَتْهُ بِمَاءٍ،فَرَشَّتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى أَفَاقَ،فَغَطَّتْهُ بِذَلِكَ الْكِسَاءِ،وَ جَسَدُ أَيُّوبَ كَأَنَّمَا انْسَلَخَ سَلْخاً،ثُمَّ حَمَلَتْهُ إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى مِنْ حَوْرَانَ،ثُمَّ وَضَعَتْهُ إِلَى جَانِبِ الْقَرْيَةِ، فَرَفَعَتْ يَدَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ دَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَهُ مِنَ السِّبَاعِ وَ غَيْرِهَا،فَدَخَلَتِ الْقَرْيَةَ،وَ قَالَتْ:أَلاَ مَنْ أَرَادَ غَسْلَ ثِيَابٍ،أَوْ خِرَقٍ،أَوْ كَنْسَ دَارٍ،أَوْ حَمْلَ تُرَابٍ إِلَى مَزْبَلَةٍ،أَوْ اسْتِسْقَاءَ مَاءٍ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ أَحْمِلُهُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ.
فَخَرَجْنَ إِلَيْهَا نِسَاءُ الْقَرْيَةِ،وَ قَالَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ:هَذِهِ غُولَةٌ [١] قَدْ دَخَلَتْ قَرْيَتَنَا.فَقَالَتْ لَهَا رَحْمَةُ:لِمَ تَقُولِينَ هَذَا الْكَلاَمَ،وَ أَنَا رَحْمَةُ بِنْتِ أَفْرَائِيمَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ صِدِّيقِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ صَفِيِّ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ،زَوْجَةُ أَيُّوبَ الْمُبْتَلَى نَبِيِّ اللَّهِ!فَقُلْنَ لَهَا:وَ أَيْنَ أَيُّوبَ؟قَالَتْ:هَا هُوَ عَلَى بَابِ الْقَرْيَةِ،إِلَى جَنْبِ كَنَائِسِكُمْ وَ مَزَابِلِكُمْ.
فَأَقْبَلْنَ إِلَى أَيُّوبَ،فَلَمَّا رَأَيْنَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْبَلاَءِ بَكَيْنَ أَشَدَّ الْبُكَاءِ،ثُمَّ قُلْنَ:هَذَا أَيُّوبُ النَّبِيُّ صَاحِبُ الْإِمَاءِ وَ الْعَبِيدِ وَ الْمَوَاشِي؟فَبَكَى أَيُّوبُ وَ رَحْمَةُ بُكَاءً شَدِيداً،ثُمَّ قَالَ:أَنَا أَيُّوبُ عَبْدً رَبِّي وَ رَسُولُهُ،أَنَا الْجَائِعُ الَّذِي لاَ أَشْبَعُ إِلاَّ مِنْ ذِكْرِهِ،وَ أَنَا الْعَطْشَانُ الَّذِي لاَ أَرْوَى إِلاَّ مِنْ تَسْبِيحِهِ.قَالَ:فَبَكَيْنَ،وَ بَكَتْ رَحْمَةُ مَعَهُنَّ،وَ قَالَتْ لَهُنَّ:لِي إِلَيْكُنَّ حَاجَةٌ،وَ هِيَ أَنْ تُعْطُونِي فَأْساً أَقْطَعُ بِهَا أَشْجَاراً لِأَتَّخِذَ لِأَيُّوبَ عَرِيشاً يَكُنُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ،فَأَعْمَلَ لَهُ طَعَاماً.
فَأَتَوْهَا بِجَمِيعِ ذَلِكَ،فَعَمَدَتْ إِلَى مِطْهَرَةٍ مَعَهَا مِنْ خَزَفٍ،وَ بَلَّتْ ذَلِكَ الْخُبْزَ فِي تِلْكَ الْمِطْهَرَةِ،ثُمَّ مَرَسَتْهُ بِيَدِهَا
[١] الغولة:من السعالي.«الصحاح-غول-٥:١٧٨٦».و في«ي،ط»:خولة.