البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤٧ - القصص آيه ٤
فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ أَنَّ الْمَلِكَ قَدْ تَبَنَّى ابْناً،لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ رُؤُوسِ مَنْ كَانَ مَعَ فِرْعَوْنَ إِلاَّ بَعَثَ إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ، لِتَكُونَ لَهُ ظِئْراً [١]،أَوْ تَحْضُنُهُ،فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ ثَدْياً.قَالَتْ:اِمْرَأَةٌ فِرْعَوْنَ:اُطْلُبُوا لاِبْنِي ظِئْراً،وَ لاَ تُحَقِّرُوا أَحَداً.فَجَعَلَ لاَ يَقْبَلُ مِنْ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ ثَدْياً.فَقَالَتْ أُمُّ مُوسَى لِأُخْتِهِ:اُنْظُرِي أَ تَرَيْنَ لَهُ أَثَراً؟فَانْطَلَقَتْ حَتَّى أَتَتْ بَابَ الْمَلِكِ،فَقَالَتْ:قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ ظِئْراً،وَ هَاهُنَا امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ تَأْخُذُ وَلَدَكُمُ،وَ تَكْفُلُهُ لَكُمْ.فَقَالَتْ:أَدْخِلُوهَا، فَلَمَّا دَخَلْتُ،قَالَتْ لَهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ:مِمَّنْ أَنْتِ؟قَالَتْ:مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.قَالَتْ:اِذْهَبِي-يَا بُنَيَّةِ-فَلَيْسَ لَنَا فِيكَ حَاجَةٌ.فَقَالَتْ لَهَا النِّسَاءُ:عَافَاكِ اللَّهُ،انْظُرِي هَلْ يَقْبَلُ،أَوْ لاَ؟فَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ:أَ رَأَيْتُمْ لَوْ قَبِلَ هَذَا،هَلْ يَرْضَى فِرْعَوْنُ أَنْ يَكُونَ الْغُلاَمُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،وَ الْمَرْأَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ-يَعْنِي الظِّئْرَ-؟لاَ يَرْضَى.قُلْنَ:فَانْظُرِي أَ يَقْبَلُ،أَوْ لاَ يَقْبَلُ؟قَالَتْ امْرَأَةٌ فِرْعَوْنَ:فَاذْهَبِي فَادْعِيهَا.فَجَاءَتْ إِلَى أُمِّهَا،فَقَالَتْ:إِنَّ امْرَأَةً الْمَلِكِ تَدْعُوكَ.فَدَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَدَفَعَ إِلَيْهَا مُوسَى،فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهَا،ثُمَّ أَلْقَمَتْهُ ثَدْيَهَا،فَازْدَحَمَ اللَّبَنُ فِي حَلْقِهِ،فَلَمَّا رَأَتْ امْرَأَةٌ فِرْعَوْنَ أَنَّ ابْنَهَا قَدْ قَبِلَ،قَامَتْ إِلَى فِرْعَوْنَ،فَقَالَتْ:إِنِّي قَدْ أَصَبْتُ لاِبْنِي ظِئْراً،وَ قَدْ قَبِلَ مِنْهَا.فَقَالَ:وَ مِمَّنْ هِيَ؟قَالَتْ:مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.قَالَ فِرْعَوْنُ:هَذَا مِمَّا لاَ يَكُونُ أَبَداً،الْغُلاَمُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،وَ الظِّئْرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟فَلَمْ تَزَلْ تُكَلِّمُهُ فِيهِ، وَ تَقُولُ:مَا تَخَافُ مِنْ هَذَا الْغُلاَمِ،إِنَّمَا هُوَ ابْنُكَ،يَنْشَأُ فِي حَجْرِكَ؟حَتَّى قَلَّبَتْهُ عَنْ رَأْيِهِ،وَ رَضِيَ.
فَنَشَأَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي آلِ فِرْعَوْنَ،وَ كَتَمَتْ أُمُّهُ خَبَرَهُ،وَ أُخْتُهُ،وَ الْقَابِلَةُ،حَتَّى هَلَكَتْ أُمُّهُ،وَ الْقَابِلَةُ الَّتِي قَبِلَتْهُ،فَنَشَأَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لاَ يَعْلَمُ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ-قَالَ-وَ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَطْلُبُهُ وَ تَسْأَلَ عَنْهُ،فَيَعْمَى عَلَيْهِمْ خَبَرُهُ-قَالَ- فَبَلَغَ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُ،وَ يَسْأَلُونَ عَنْهُ،فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ،فَزَادَ فِي الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ،وَ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ،وَ نَهَاهُمْ عَنِ الْإِخْبَارِ بِهِ،وَ السُّؤَالِ عَنْهُ».
قَالَ:«فَخَرَجْتُ بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ إِلَى شَيْخٍ عِنْدَهُ عِلْمٌ،فَقَالُوا:لَقَدْ كُنَّا نَسْتَرِيحُ إِلَى الْأَحَادِيثِ، فَحَتَّى مَتَى،وَ إِلَى مَتَى نَحْنُ فِي هَذَا الْبَلاَءِ؟!قَالَ:وَ اللَّهِ إِنَّكُمْ لاَ تَزَالُونَ فِيهِ حَتَّى يُحْيِيَ اللَّهُ ذِكْرَهُ بِغُلاَمٍ مِنْ وُلْدِ لاَوِي بْنِ يَعْقُوبَ،اسْمُهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ،غُلاَمٌ طُوَالٌ جَعْدٌ.فَبَيْنَاهُمْ كَذَلِكَ،إِذْ أَقْبَلَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَسِيرُ عَلَى بَغْلَةٍ،حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ،فَرَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ،فَعَرَفَهُ بِالصِّفَةِ،فَقَالَ لَهُ:مَا اسْمُكَ،يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟قَالَ:مُوسَى.قَالَ:اِبْنُ مَنْ؟قَالَ:
ابْنُ عِمْرَانَ.فَوَثَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ،فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَبَّلَهَا،وَ ثَارُوا إِلَى رِجْلَيْهِ فَقَبَّلُوهُمَا،فَعَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ،وَ اتَّخَذَهُمْ شِيعَةً.
فَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ،ثُمَّ خَرَجَ،فَدَخَلَ مَدِينَةً لِفِرْعَوْنَ،فِيهَا رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِهِ يُقَاتِلُ رَجُلاً مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الْقِبْطِ،فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ الْقِبْطِيِّ،فَوَكَزَهُ مُوسَى،فَقَضَى عَلَيْهِ-وَ كَانَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)قَدْ أُعْطِيَ بَسْطَةً فِي الْجِسْمِ،وَ شِدَّةً فِي الْبَطْشِ-فَذَكَرَهُ النَّاسُ،وَ شَاعَ أَمْرُهُ،وَ قَالُوا:إِنَّ مُوسَى قَتَلَ رَجُلاً مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ،فَلَمَّا أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ،فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ عَلَى آخَرَ،فَقَالَ لَهُ مُوسَى:إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ،بِالْأَمْسِ رَجُلٌ وَ الْيَوْمَ رَجُلٌ؟!فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا،قَالَ:يَا مُوسَى،أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ؟!إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ،وَ مَا
[١] الظّئر:المرضعة غير ولدها.«النهاية ٣:١٥٤».