البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٩٣ - النور آيه ٥٥
فَقُلْنَا:يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ،كَرِّمْنَا،وَ فَضِّلْنَا بِإِشْرَاكِكَ إِيَّانَا فِي بَعْضِ مَا أَنْتَ تَعْلَمُهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ.
قَالَ:«إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَدَارَ لِلْقَائِمِ مِنَّا ثَلاَثَةً،مِنَ الرُّسُلِ:قَدَّرَ مَوْلِدَهُ تَقْدِيرَ مَوْلِدِ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ قَدَّرَ غَيْبَتَهُ تَقْدِيرَ غَيْبَةِ عِيسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ قَدْرَ إِبْطَاءِ نُوحٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عُمَرَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ-أَعْنِي الْخَضِرَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)-دَلِيلاً عَلَى عُمُرِهِ».
فَقُلْنَا:اِكْشِفْ لَنَا-يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ-عَنْ وُجُوهِ هَذِهِ الْمَعَانِي.
قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«أَمَّا مَوْلِدُ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا وَقَفَ عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِ عَلَى يَدِهِ،أَمَرَ بِإِحْضَارِ الْكَهَنَةِ،فَدَلُّوهُ عَلَى نَسَبِهِ،وَ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،وَ لَمْ يَزَلْ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَقِّ بُطُونِ الْحَوَامِلِ مِنْ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ،حَتَّى قَتَلَ فِي طَلَبِهِ نَيِّفاً وَ عِشْرِينَ أَلْفَ مَوْلُودٍ،وَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إِلَى قَتْلِ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِحِفْظِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِيَّاهُ،وَ كَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ،وَ بَنُو الْعَبَّاسِ،لَمَّا وَقَفُوا عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِمْ مُلْكِ الْأُمَرَاءِ وَ الْجَبَابِرَةِ مِنْهُمْ عَلَى يَدِ الْقَائِمِ مِنَّا،نَاصَبُونَا الْعَدَاوَةَ،وَ وَضَعُوا سُيُوفَهُمْ فِي قَتْلِ آلِ الرَّسُولِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ إِبَادَةِ نَسْلِهِ،طَمَعاً مِنْهُمْ فِي الْوُصُولِ إِلَى قَتْلِ الْقَائِمِ،وَ يَأْبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَكْشِفَ أَمْرَهُ لِوَاحِدٍ مِنَ الظَّلَمَةِ،إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
وَ أَمَّا غَيْبَةُ عِيسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَإِنَّ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ قُتِلَ،فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: وَ مٰا قَتَلُوهُ وَ مٰا صَلَبُوهُ وَ لٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [١]،كَذَلِكَ غَيْبَةُ الْقَائِمِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَإِنَّ الْأُمَّةَ سَتُنْكِرُهَا لِطُولِهَا،فَمِنْ قَائِلٍ بِغَيْرِ هُدًى [٢]:إِنَّهُ لَمْ يُولَدْ؛وَ قَائِلٍ يَقُولُ:إِنَّهُ وُلِدَ وَ مَاتَ؛وَ قَائِلٍ يَكْفُرُ،بِقَوْلِهِ:إِنَّ حَادِيَ عَشَرِنَا كَانَ عَقِيماً،وَ قَائِلٍ يَمْرُقُ، بِقَوْلِهِ [٣]:إِنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ،وَ صَاعِداً،وَ قَائِلٍ يَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ،بِقَوْلِهِ:إِنَّ رُوحَ الْقَائِمِ تَنْطِقُ فِي هَيْكَلِ غَيْرِهِ.
وَ أَمَّا إِبْطَاءُ نُوحٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَنْزَلَ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ السَّمَاءِ،بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الرُّوحَ الْأَمِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِسَبْعِ نُوَيَّاتٍ،فَقَالَ:يَا نَبِيَّ اللَّهِ،إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ لَكَ:إِنَّ هَؤُلاَءِ خَلاَئِقِي،وَ عِبَادِي،وَ لَسْتُ أُبِيدُهُمْ بِصَاعِقَةٍ مِنَ صَوَاعِقِي إِلاَّ بَعْدَ تَأْكِيدِ الدَّعْوَةِ،وَ إِلْزَامِ الْحُجَّةِ،فَعَاوِدْ اجْتِهَادَكَ فِي الدَّعْوَةِ لِقَوْمِكَ،فَإِنِّي مُثِيبُكَ عَلَيْهِ،وَ اغْرِسْ هَذِهِ النَّوَى،فَإِنَّ لَكَ فِي نَبَاتِهَا،وَ بُلُوغِهَا،وَ إِدْرَاكِهَا إِذَا أَثْمَرَتْ،الْفَرَجُ وَ الْخَلاَصُ،فَبَشِّرْ بِذَلِكَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،فَلَمَّا نَبَتَتِ الْأَشْجَارُ،وَ تَأَزَّرَتْ [٤]،وَ تسوقت،وَ تغصنت،وَ أَثْمَرَتْ،وَ زَهَا التَّمْرُ عَلَيْهَا بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ،اسْتَنْجَزَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى الْعِدَةَ،فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ يَغْرِسَ مَنْ نَوَى تِلْكَ الْأَشْجَارَ،وَ يُعَاوِدَ الصَّبْرَ وَ الاِجْتِهَادَ،وَ يُؤَكِّدُ الْحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ،فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الطَّوَائِفَ الَّتِي آمَنَتْ بِهِ،فَارْتَدَّ مِنْهُمْ ثَلاَثُ مِائَةٍ رَجُلٍ، وَ قَالُوا:لَوْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ نُوحٌ حَقّاً،لَمَا وَقَعَ فِي وَعْدِ رَبِّهِ خَلَفٌ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ يَأْمُرُهُ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ بِأَنْ يَغْرِسَهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى،إِلَى أَنْ غَرَسَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ،فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الطَّوَائِفُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَرْتَدُّ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ،إِلَى أَنْ عَادَ إِلَى نَيِّفٍ وَ سَبْعِينَ رَجُلاً،فَأَوْحَى اللَّهُ
[١] النساء ٤:١٥٧.
[٢] في المصدر:قائل يهذي.
[٣] (انه ولد...بقوله)ليس في المصدر.
[٤] تأزّر النبت:التفّ و اشتدّ.«الصحاح-أزر-٢:٥٧٨».