البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٢٨ - الفرقان آيه ٢٩-٢٧
مَصَائِبِهِمْ وَ فَجَائِعِهِمْ [١]،فَقَدْ كَانَتْ عَلَى سَعَةٍ مِنَ الْآمَالِ،وَ لَمْ تَكُ مُصِيبَةٌ عَظُمَتْ،وَ لاَ رَزِيَّةٌ جَلَّتْ كَالْمُصِيبَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،لِأَنَّ اللَّهَ حَسَمَ [٢] بِهِ الْإِنْذَارَ وَ الْإِعْذَارَ،وَ قَطَعَ بِهِ الاِحْتِجَاجَ وَ الْعُذْرَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ،وَ جَعَلَهُ بَابَهُ الَّذِي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عِبَادِهِ،وَ مُهَيْمِنَهُ الَّذِي لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ بِهِ،وَ لاَ قُرْبَةً إِلَيْهِ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ،وَ قَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ وَ مَنْ تَوَلّٰى فَمٰا أَرْسَلْنٰاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [٣]،فَقَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ،وَ مَعْصِيَتَهُ بِمَعْصِيَتِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلاً عَلَى مَا فَوَّضَ اللَّهُ إِلَيْهِ،وَ شَاهِداً لَهُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ وَ عَصَاهُ،وَ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ،فَقَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي التَّحْرِيضِ عَلَى اتِّبَاعِهِ،وَ التَّرْغِيبِ فِي تَصْدِيقِهِ،وَ الْقَبُولِ لِدَعْوَتِهِ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [٤]،فَاتِّبَاعُهُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مَحَبَّةُ اللَّهِ،وَ رِضَاهُ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ، وَ كَمَالُ النُّورِ [٥] وَ وُجُوبُ الْجَنَّةِ،وَ فِي التَّوَلِّي عَنْهُ وَ الْإِعْرَاضِ مُحَادَّةُ اللَّهِ،وَ غَضَبُهُ وَ سَخَطُهُ،وَ الْبُعْدُ مِنْهُ مُسْكِنُ النَّارِ، وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزٰابِ فَالنّٰارُ مَوْعِدُهُ [٦]يَعْنِي الْجُحُودَ بِهِ،وَ الْعِصْيَانَ لَهُ.
وَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ امْتَحَنَ بِي عِبَادَهُ،وَ قَتَلَ بِيَدِي أَضْدَادَهُ،وَ أَفْنَى بِسَيْفِي جُحَّادَهُ،وَ جَعَلَنِي زُلْفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَ حِيَاضَ مَوْتٍ عَلَى الْجَبَّارِينَ،وَ سَيْفَهُ عَلَى الْمُجْرِمِينَ،وَ شَدَّ بِي أُزُرَ رَسُولِهِ،وَ أَكْرَمَنِي بِنَصْرِهِ،وَ شَرَّفَنِي بِعِلْمِهِ، وَ حَبَانِي بِأَحْكَامِهِ،وَ اخْتَصَّنِي بِوَصِيَّتِهِ،وَ اصْطَفَانِي لِخِلاَفَتِهِ فِي أُمَّتِهِ،فَقَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ قَدْ حَشَدَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ،وَ غُصَّتْ [٧] بِهِمْ الْمَحَافِلُ:أَيُّهَا النَّاسُ،إِنَّ عَلِيّاً مِنِّي كَهَارُونَ مِنْ مُوسَى،إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي؛فَعَقَلَ الْمُؤْمِنُونَ عَنِ اللَّهِ نَطَقَ الرَّسُولُ إِذْ عَرَفُونِي أَنِّي لَسْتُ بِأَخِيهِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ كَمَا كَانَ هَارُونُ أَخَا مُوسَى لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ،وَ لاَ كُنْتُ نَبِيّاً فَأَقْتَضِيَ نُبُوَّةً،وَ لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِخْلاَفاً لِي،كَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا)،حَيْثُ يَقُولُ:
اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [٨] .
وَ قَوْلُهُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حِينَ تَكَلَّمَتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ:نَحْنُ مَوَالِي رَسُولِ اللَّهِ؛فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى حِجَّةِ الْوَدَاعِ،ثُمَّ صَارَ إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ،فَأَمَرَ فَأُصْلِحَ لَهُ شِبْهُ الْمِنْبَرِ،ثُمَّ عَلاَهُ،وَ أَخَذَ بِعَضُدِي حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، رَافِعاً صَوْتَهُ،قَائِلاً فِي مَحْفِلِهِ:مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ،اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ،وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ؛فَكَانَتْ عَلَى وَلاَيَتِي وَلاَيَةُ اللَّهِ،وَ عَلَى عَدَاوَتِي عَدَاوَةُ اللَّهِ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاٰمَ دِيناً [٩]فَكَانَتْ وَلاَيَتِي كَمَالَ الدِّينِ،وَ رِضَا الرَّبِّ جَلَّ ذِكْرُهُ.
[١] في المصدر:و فجائعها بهم.
[٢] أي قطع،و في المصدر:ختم.
[٣] النساء ٤:٨٠.
[٤] آل عمران ٣:٣١.
[٥] في المصدر:الفوز.
[٦] هود ١١:١٧.
[٧] في«ط»:انقضت.
[٨] الأعراف ٧:١٤٢.
[٩] المائدة ٥:٣.