البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٣٠ - الفرقان آيه ٢٩-٢٧
ثَوْبَ [١] الْإِيمَانِ،وَ فُلِجُوا [٢] بِنَا فِي الْعَالَمِينَ،وَ أَبْدَتْ لَهُمْ أَيَّامُ الرَّسُولِ آثَارَ الصَّالِحِينَ،مِنْ حَامٍ مُجَاهِدٍ،وَ مُصَلٍّ قَانِتٍ،وَ مُعْتَكِفٍ زَاهِدٍ،يُظْهِرُونَ الْأَمَانَةَ،وَ يَأْتُونَ الْمَثَابَةَ،حَتَّى إِذَا دَعَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبِيَّهُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ رَفَعَهُ إِلَيْهِ،لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعْدَهُ إِلاَّ كَلَمْحَةٍ مِنْ خَفْقَةٍ،أَوْ وَمِيضٍ مِنْ بَرْقَةٍ،إِلَى أَنْ رَجَعُوا عَلَى الْأَعْقَابِ،وَ انْتَكَصُوا عَلَى الْأَدْبَارِ، وَ طَلَبُوا بِالْأَوْتَارِ،وَ أَظْهَرُوا الْكَنَائِنَ [٣]،وَ رَدَمُوا الْبَابَ،وَ فَلُّوا [٤] الدَّارَ،وَ غَيَّرُوا آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ رَغِبُوا عَنْ أَحْكَامِهِ،وَ بَعُدُوا مِنْ أَنْوَارِهِ،وَ اسْتَبْدَلُوا بِمُسْتَخْلَفِهِ بَدِيلاً اتَّخَذُوهُ،وَ كَانُوا ظَالِمِينَ،وَ زَعَمُوا أَنَّ مَنْ اخْتَارُوا مِنْ آلِ أَبِي قُحَافَةَ أَوْلَى بِمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِمَّنِ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِمَقَامِهِ،وَ أَنَّ مُهَاجَرَ آلِ أَبِي قُحَافَةَ خَيْرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِيِّ وَ الْأَنْصَارِيِّ الرَّبَّانِيِّ،نَامُوسِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
أَلاَ وَ إِنَّ أَوَّلَ شَهَادَةِ زُورٍ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلاَمِ شَهَادَتُهُمْ أَنَّ صَاحِبَهُمْ مُسْتَخْلَفُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَا كَانَ،رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ،وَ قَالُوا:إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مَضَى وَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ.فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الطَّيِّبُ الْمُبَارَكُ أَوَّلَ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ بِالزُّورِ فِي الْإِسْلاَمِ،وَ عَنْ قَلِيلٍ يَجِدُونَ غِبَّ [٥] مَا يَعْمَلُونَ،وَ سَيَجِدُ التَّالُونَ غِبَّ مَا أَسَّسَهُ الْأَوَّلُونَ،وَ لَئِنْ كَانُوا فِي مَنْدُوحَةٍ مِنَ الْمَهَلَ،وَ شِفَاءٍ مِنَ الْأَجَلِ،وَ سَعَةٍ مِنَ الْمُنْقَلَبِ [٦]،وَ اسْتِدْرَاجٍ مِنَ الْغُرُورِ،وَ سُكُونٍ مِنَ الْحَالِ،وَ إِدْرَاكِ مِنَ الْأَمَلِ،فَقَدْ أَمْهَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ شَدَّادَ بْنَ عَادٍ، وَ ثَمُودَ بْنَ عَبُّودٍ [٧]،وَ بَلْعَمَ بْنً بَاعُورَا،وَ أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً ظَاهِرَةً وَ بَاطِنَةً،وَ أَمَدَّهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَ الْأَعْمَارِ،وَ أَتَتْهُمُ الْأَرْضُ بِبَرَكَاتِهَا لِيَذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ،وَ لِيَعْرِفُوا الْإِهَابَةَ لَهُ وَ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ،وَ لِيَنْتَهُوا عَنِ الاِسْتِكْبَارِ،فَلَمَّا بَلَغُوا الْمُدَّةَ،وَ اسْتَكْمَلُوا الْأَكِلَةَ،أَخَذَهُمُ اللَّهُ وَ اصْطَلِمَهُمْ [٨]،فَمِنْهُمْ مَنْ حُصِبَ،وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ،وَ مِنْهُمْ مَنْ أَحْرَقَتْهُ الظُّلَّةُ،وَ مِنْهُمْ مَنْ أَوْدَتْهُ الرَّجْفَةُ،وَ مِنْهُمْ مَنْ أَرْدَتْهُ الْخَسْفَةُ،وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
أَلاَ وَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً،فَإِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ،لَوْ كُشِفَ لَكُمْ عَمَّا هَوَى إِلَيْهِ الظَّالِمُونَ،وَ آلَ إِلَيْهِ الْأَخْسَرُونَ، لَهَرَبْتُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ،وَ إِلَيْهِ صَائِرُونَ.
أَلاَ وَ إِنِّي فِيكُمْ-أَيُّهَا النَّاسُ-كَهَارُونَ فِي آلِ فِرْعَوْنَ،وَ كَبَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ،وَ كَسَفِينَةِ نُوحٍ فِي قَوْمِ نُوحٍ،وَ إِنِّي النَّبَأُ الْعَظِيمُ،وَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ،وَ عَنْ قَلِيلٍ سَتَعْلَمُونَ مَا تُوعَدُونَ،وَ هَلْ هِيَ إِلاَّ كَلُعْقَةِ الْآكِلِ،وَ مَذْقَةِ [٩]
[١] في«ج»:نور.
[٢] الفلج:الظّفّر و الفوز.«القاموس المحيط ١:٢١٠».
[٣] في«ي»و المصدر:الكتائب.
[٤] الفلّ:الكسر و الضّرب.«النهاية ٣:٤٧٢».
[٥] الغب:عاقبة الشيء.«القاموس المحيط ١:١١٣».
[٦] في«ج»:المتقلب.
[٧] في«ج،ط»نسخة بدل:عتور.
[٨] اصطلمه:استأصله.«القاموس المحيط ٤:١٤١».
[٩] المذقة:الشربة من اللبن الممذوق-أي الممزوج بالماء-«لسان العرب-مذق-١٠:٣٤٠».